Tuesday, January 10, 2006

لينك

ازمه الادب الغربي المعاصر

اطلاله علي الشاعر هراتي 1 من 2

التأثير المتبادل بين الفارسيه و العربيه

المفردات الفارسيه في القرآن


رباعيات الخيام بين الاصاله و الانتساب


في حضره مولانا جلال الدين


في مواجهة الادب المستورد والهابط


مسار التمثيل العرفاني في الادب الايراني


منطق الطير و رحله المعرفه

الشاهنامه، رائعه الفردوسي الخالده

تطور الاساليب النثريه في الادب الفارسي

رواد الحركه النثريه المعاصره في ايران

ادب الثوره و واقع الشعر النسوي

الشعر الفارسي المعاصر

المدرسه الادبيه الجديده

تكرار معجزه الفردوسي

القوالب الشعريه في الأدب الفارسي

أمجاد ابن بطوطة

مكانة المرأة في (شاهنامة) الفردوسي

الطفل في الشعر الفارسي

أثر العربية‌ في‌ الشعر الفارسي‌

رواد الحركه النثريه المعاصره في ايران / عبدالرحمن العلوي

تعتبر المرحله المعاصره من الادب الفارسي مرحله النثر لما شهده النثر من ازدهار لم يسبق ان حققه من قبل علي صعيد المضمون و الاسلوب

لا يمكن انكار ما لايران من تراث ادبي عظيم و خليفه ادبيه تمتد لآلاف السنين، حتي انها تعد من اغني المصادر الادبيه في العالم. فقد كانت مركزاً لادب قديم واسع مكتوب و مخلوط علي يد نخبه فكريه و ادبيه. و برهنت الحركه الادبيه الايرانيه الحديثه عن ان النبوغ الادبي الايراني لم يقتصر علي الازمان المندثره، فلازال هذا النبوغ فياضاً حتي اليوم يتجدد بتجدد الزمن و يبدع كلما دعت الحاجه الي الابداع

الفارسيه بين الاخذ و العطاء
و رغم ما ينكره البعض علي الفارسيه كثره المفردات العربيه فيها، غير ان هذا لا يعد نقصاً في الفارسيه ابداً … فاللغه الحيه تأخذ و تعطي، و تتأثر و تؤثر، و تختار من المفردات ما يتناسب و حاجتها اليها لا ان تقتصر علي مفرداتها القديمه، خاصه بالنسبه للغه الفارسيه التي حدث فيها تطور هائل ربما يختلف عن مجمل التطورات التي حدثت في اللغات الاخري. فهي قد اقلعت بالكامل عن اللغه القديمه المعروفه بالبهلويه و اختارت لغه جديده تحفل بالمفردات العربيه، حيث تمكنت بهذه اللغه ان تقطع اشواطاً بعيده في الجانب الادبي و تقدم للعالم اروع النتاجات الشعريه و الادبيه. و تجلت روعه التمازج بين المفردات العربيه و الفارسيه في الكتابات الفارسيه لابن سينا و البيروني، و في كتابي «سياست نامه» و «قابوس نامه» في القرن الحادي عشر الميلادي. كما لا ينكر احد مدي الجمال الذي اضفته المفردات العربيه علي قصائد سعدي التي تعد من روائع الادبين الفارسي و العالمي، و علي «چهار مقاله» ـ اي المقالات الاربع ـ للعروضي و التي تعد من اجمل الكتابات النثريه الفارسيه

و مثلما اثرنا في مقاله سابقه فان المرحله المعاصره من الادب الفارسي تعد ـ في الحقيقه ـ مرحله النثر لما شهده النثر من ازدهار لم يسبق له ان حققه من قبل علي صعيدي المضمون و الاسلوب. بل يمكن ان نقول بان اروع نماذج النثر الايراني كان في هذه الفتره بالذات. و يردد الدكتور خانلري ذلك الي اقتصار النثر الفارسي في العصور السالفه علي مواضيع محدده كالتاريخ و الاخلاق و احياناً الفلسفه و الموعظه. اما في العصر الحديث فقد اتسع نطاق النثر و اخذ يتناول القضايا السياسيه و الاجتماعيه و الاساطير و العلوم الجديده و النقد الاجتماعي و غيرها

طليعه المجددين
كانت الانكسارات المتلاحقه التي تعرضت لها ايران في حروبها مع روسيا في العهد القاجاري و ضعفها في مواجهة البلدان الغربيه قد اثارت قلق بعض الشخصيات الوطنيه آنذاك و دفعها للتفكير بالحل. و كان ميرزا تقي خان المعروف بـ«اميركبير» من بين تلك الشخصيات التي فكرت بايجاد حل للاوضاع المترديه التي تشهدها البلاد. و قد سعي منذ ان نال صداره البلاد في عهد ناصر الدين شاه الي اصلاح امور البلاد علي كافه الاصعده، و قد شملت اصلاحاته الادب الفارسي ايضاً. و اصبح الادب في عهده مرآه تعكس الآمال و الطموحات و الشعور بالحاجه الي اصلاح الاوضاع الاجتماعيه و السياسيه و قطع الاعتماد علي البلدان الخارجيه.

و يعد كل من عبد الحسين الكرماني و عبد الكريم طالبوف و زين العابدين المراغي ممن لعبوا دوراً جديراً بالملاحظه في تطور النثر الفارسي خلال العصر الحديث. فرغم انّ آثارهم لا تتميز بقيمه ادبيه كبيره، الا انهم طرحوا من خلالها افكاراً جديده و تميزت باسلوب جديد ايضاً. فعبدالحسين الكرماني المعروف بـ«ميرزا آقاخان» كان ذا اسلوب مؤثر متميز بروح التمرد .. التمرد علي الجهل و الاوهام و الخرافات الناجمه عن استبداد ناصر الدين شاه.

و كان قد نشأ في اسره تنتسب الي طائفه من علماء الصوفيه بكرمان و تأثر بحكمه الملاصدرا. و هرب مع صديقه الشيخ احمد روحي الي اسطنبول و اخذ يكتب في صحيفه «اختر» اي النجم، و ينشر فيها افكاره المتأثره بآراء السيد جمال الدين الاسد آبادي، داعياً مع الشيخ احمد روحي الي وحده العالم الاسلامي. و من آثاره قصه «تمساح الدوله» التي تطرق فيها الي فساد حكام عصره و فقر المجتمع من خلال اسلوب لاذع اثار غضب السلطه وادي في النهايه الي اعدامه مع رفيقه الشيخ احمد روحي.

اما عبدالكريم طالبوف فقد ولد في تبريز ثم غادر الي تفليس و اتقن اللغه الروسيه و ذهب منها الي داغستان حيث امضي ببقيه عمره هناك. و من آثاره «السفينه الطالبيه» او ما يسمي احيانا بـ«كتاب احمد». و هو عباره عن حوار بين مؤلف و ولده احمد، الذي لعب في هذا الكتاب نفس الدور الذي لعبه «اميل» في كتاب جان جاك روسو. و كان لهذا الكتاب تأثير واضح في زمانه علي الاذهان و علي الأدب الفارسي.

و هناك كاتب ارمني يدعي «ملكم خان» يعد من مروجي الثقافه الغربيه، و افكاره في الغالب عباره عن تلفيق بين مذهب اوغوست كونت الفرنسي، و آراء جان ستيورات الانجليزي. و كان شديد الرغبه في الاخذ بالمدينه الغربيه و ترسيخ الافكار الليبراليه، و رغم هذا فقد عدّ احد ادباء طليعه الحركه الادبيه في العصر الحديث لما اعتمده من اسلوب بسيط خال من التعقيد.

و من كتاب العصر القاجاري المعروفين ميرزا محمد خان سينكي المعروف بـ«مجد الملك»، و كانت له رساله نقديه اسماها «كشف الغرائب» و تعرف ايضاً بـ«الرساله المجديه» انتقد فيها اوضاع العهد الناصري (ناصر الدين شاه) و حمل قاده البلاد مسؤوليه الفساد و الانحطاط آنذاك، و اعلن بصراحه: «ان حكومه ايران لا تشابه في قوانينها قوانين الاسلام و لا مباديء الشعوب الاخري». و كان لا يؤمن بالثقافه الغربيه و لا يتفق في آرائه مع «ملكم».

و اعتبر سعيد نفيسي في كتابه «روائع النثر الفارسي المعاصر» كلاً من طالبوف و دهخدا علي رأس المجددين في النثر الفارسي، و عدّ محمد علي جمال زاده و صادق هدايت من ابرز السائرين علي خطاهما. و سنتطرق الي الشخصيات الثلاث الاخيره لاحقاً.

و بشكل عام تعد كتب الرحلات «سفرنامه» اولي ثمرات النثر الفارسي الجديد. و قد الف ناصر الدين شاه نفسه اثنين من تلك الكتب، و التي طرق فيها الاوضاع السياسيه و الاجتماعيه فضلاً عن تناوله لموضوعات جغرافيه.

و يعد كتاب «سياحتنامه ابراهيم بيك» تأليف زين العابدين المراغي من بين الكتب التي ذكر انها كانت ذات تأثير كبير علي حركه الادب الفارسي الحديث.



دور الترجمه
كما نوهنا فقد لعبت الترجمه في الحركه الادبيه الايرانيه المعاصره دوراً بنّاء لا يمكن التغافل عنه .. اذ فتحت نافذه كبيره بوجه الادب الفارسي اطل من خلالها علي الآداب العالميه و روائع الادب العالمي. و كلنا يدرك اهميه الانفتاحات الادبيه و ما تتركه من آثار ايجابيه في اغلب الاحيان لاسيما علي صعيدي الاسلوب و التصوير الفني.

و تركت ترجمه روائع الادب العالمي الي الفارسيه تأثيراتها الواضحه علي الادب الفارسي الحديث ـ لا سيما النثر ـ خاصه و قد رافقت عمليه الترجمه انتشار المطابع و نمو الطبقه المتعلمه.

و كان من اهم تأثيرات تلك الترجمه ايجاد نزعه عند الكاتب الايراني للكتابه باسلوب نثري بسيط و التخلي عن التعقيدات النثريه التي شهدها النثر الفارسي خلال المرحله السابقه.

و كانت الكتابات الفارسيه في نهايه القرن التاسع عشر في معظمها ترجمه و تقليداً لآثار الكتاب الغربيين، سيما الفرنسيين منهم كمولير، و دوما، و جول فرن، و برنادر دوسن، و فكتور هيغو. كما كانت هناك ترجمات عن العربيه و الانجليزيه و الروسيه و التركيه.

و من اوائل الكتب التي ترجمت الي الفارسيه هي «قصه تلماك» لفنلون ترجمها علي خان ناظم العلوم، و «الكونت دي مونت كريستوف» لالكساندر دوما ترجمها محمد طاهر ميرزا اسكندري، و «قبله العذراء» للكاتب الانجليزي جورج رينولدز ترجمها كل من سيد حسن الشيرازي و الاديب الفروغي، و مسرحيه «الخديعه و الحب» للشاعر الالماني شيلر ترجمها ميرزا يوسف خان، و «موت نابليون» لالكساندر دوما ترجمها حشمت السلطان، و «اثيلو» و «تاجر البندقيه» لشكسبير ترجمها ناصر الملك.

و قام عبد الحسين ميرزا بترجمه «طبائع الاستبداد» لعبد الرحمن الكواكبي، و عبدالحسين الرضوي الكرماني بترجمه «تاريخ الثوره الروسيه» للدكتور خليل بيك اللبناني، و هو يصور فجائع الاستبداد الروسي.

دور الصحف و المجلات
يمكن ان نقول ان الصحافه الايرانيه قد ظهرت الي الوجود في عهد محمد شاه القاجاري، و لعبت الكتابه الصحيفه دوراً رئيسياً في تطور اسلوب النثر الفارسي.

و اول صحيفه فارسيه ظهرت الي الوجود كانت تحت اشراف صالح بيك الشيرازي و كان ذلك في رمضان 1252 هـ لكنها لم تستمر طويلاً. و اعقبتها صحيفه اخري تدعي «روزنامجه طهران» و ذلك في عام 1267 هـ و بتشجيع من تقي خان اميركبير. و رغم اسلوبها الحذر و اتجاهها المحافظ الا انها منعت عن الصدور بعد سنوات لا تمامها بمعارضه السلطه.

و لعبت صحيفه «تربيت» التي صدرت عام 1314 هـ دوراً مرموقاً في تطوير النثر الفارسي. و كان يديرها محمد حسين خان ذكاء الملك المتخلص بـ«فروغي».

و تزامناً مع الثوره الدستوريه (324 هـ / 1906 م) ظهرت صحيفه تدعي «صور اسرافيل». و اريد من خلال هذا الاسم الاشاره الي جهل الناس بما يجري من حولهم. و كان يديرها شاب متحمس يدعي جهانگير خان الشيرازي الذي استطاع من خلال هذه الصحيفه ان يلفت اهتمام كافه الاوساط الاجتماعيه و مختلف الطبقات.

و كتب فيها اكبر دهخدا (صاحب الموسوعه الفارسيه الشهيره) سلسله من المقالات تحت عنوان «چرند و پرند» ـ اي خزعبلات ـ كان يذيلها باسم «دخو» و كانت هذه المقالات سبباً من اسباب اشتهار هذه الصحيفه. و قدمت هذه المقالات الساخره خدمه قيمه للادب الحديث فضلاً عن تأثيرها اجتماعي و بث الوعي بين الناس.

و هناك ادله تؤكد علي ان مقالات دهخدا كانت مصدراً لالهام ثاني اساتذه الادب الفارسي الحديث ـ اي محمد علي جمال زاده ـ حيث الف مجموعه قصصيه متأثره بـ«خزعبلات» دهخدا، اطلق عليها «كان ما كان».

و لم يكن محمد علي جمال زاده قد فتح الباب ببراعه بوجه النثر الحديث فحسب، بل يعد ايضاً واضح الحجر الاساس للقصه القصيره في الادب الفارسي و إن كان يؤخذ عليه استخدامه للعاميه.

و في السنوات الاخيره من العهد القاجاري ظهرت مجله «بهار» التي كان يديرها ميرزا يوسف اعتصام الملك و ذلك في عام 1329 هـ و لم تستمر اكثر من عام واحد ثم ظهرت ثانيه بعد عشر سنوات و ذلك في عام 1339 هـ و كانت تميل في اسلوبها الادبي الي الاسلوبين العربي و التركي.

كما كان لمجله «دانشكده» ـ اي الكليه ـ الشهريه التي صدرت في عام 1336 هـ دور واضح في التحول الادبي و ساعدت علي خلق حركه ادبيه جديده. و قد ابدل اسمها فيما بعد الي «نوبهار» اي الربيع الجديد.

و لعبت بعض المجلات مثل «سخن» و «يغما» دوراً ايضاً لا سيما علي صعيد التحقيقي و النقد الادبي ساهم في تحديد نقاط الضعف و تقويه نقاط القوه و رفد المسيره الادبيه بالافكار و الآراء الجديده و الاخذ بزمام الحركه الادبيه نحو مزيد من التبلور و الازدهار.

و كان هناك عد من الصحف و المجلات خارج البلاد قامت هي الاخري بدور ملحوظ علي سعيد تطوير النثر الفارسي، مثل صحيفه «قانون» التي اصدرها في لندن «ملكم خان» الذي سبقت الاشاره اليه، و صحيفه «الحبل المتين» التي كانت تصدر في كلكتا و صحيفه «اختر» التي صدرت في اسطنبول و استمرت بالصدور 25 عاماً.



الاتجاه الروائي
لقد شكل الاتجاه الروائي جانباً كبيراً من الحركه النثريه المعاصره، و حظيت المؤلفات القصصيه باهتمام ربما طغي علي باقي الاهتمامات، او بقول النقاد ان النثر الفارسي قد وقع خلال 1919 ـ 1930 تحت هيمنه الروايه و القصه القصيره. و لا نريد هنا ان نتوغل في هذا الموضوع و سنوكل الحديث عن الروايه الفارسيه الي مقام قادم، و لكن يمكن ان نقول بان «خزعبلات» علي اكبر دهخدا التي كانت تنتشر في صحيفه «صور اسرافيل»، كانت طليعه تجربه ناجحه علي صعيد كتابه القصه. و يبدو انه لم يهدف الي تقديم قصه لقارئه، غير انه كان يعير اهتماماً خاصاً للايقاع و اللحن و النبره، و سعي الي ان يقدم كل شخص بلسانه و مستوي تفكيره.

و لا شك ان القصه القصيره في ايران قد بدأت بقصه «كان ما كان» لمحمد علي جمال زاده التي صدرت عام 1922. و كانت قصته هذه بدايه لظهور القصص الاسطوريه. و تبلور اسلوبه في الاستخدام الحر للتعابير الاصطلاحيه و الامثال لاضفاء صبغه الحوار علي لغته. و رغم ان ذاك قد ادي الي اختراع اسلوب ادبي جديد كان له الاثر الكبير علي الكتابات النثريه فيما بعد، لكنه اثار في نفس الوقت شبهه عدم اعتمامه بايقاعات و خصائص الحوار الفارسي.

و يعد الروائي «محمد مسعود» احد ابرز كتاب العقد الثالث و كانت اول روايه له و تعرف بـ«أدب الحياه» التي صدرت عام 1932 عباره عن نقد للاوضاع الاجتماعيه التي اصبحت فيها الرذائل فضائل. و كان نثره في الغالب ناجحاً و متحركاً. و قطع خطوه مهمه علي طريق صناعه قالب قصصي متميز في الادب الايراني الجديد و قد اغتيل هذا القاص علي يد حزب «توده» باعتراف رؤسائه فيما بعد.

و يبدو ان خليفته «بزرك علوي» قد خطف الرهان من يديه … فقد برز علي السطح الادبي كقاص ناجح و ان حاول في بعض كتاباته الدعايه للجناح اليساري. غير ان روايه «عيونها» كانت تحظي بأهميه ادبيه و تعد اول عمل كبير له ككاتب روائي.

و يعد «صادق هدايت» و رغم اتجاهه الفكري الغامض المضطرب من ابرز الناثرين و القصصيين الايرانيين خلال القرن العشرين، و ربما اطلق عليه البعض «النابغه الادبيه الايرانيه المعاصره». و قد خطي خطوات واسعه علي الطريق الذي افتتحها جمال زاده. و ترك اسلوبه الادبي الرصين تأثيراً كبيرا علي الساحه الادبيه الفارسيه. و كان متأثراً بالادب الفرنسي الي حد بعيد.

و لا ننسي ان نشير هنا الي الكاتب جلال آل احمد … فقد نزع كثيراً نحو الادب العالمي و تأثر به، و انعكس ذلك التأثر علي مجمل كتاباته النثريه، المقالات منها و القصص. و قد لجأ الي قالب القصص العاميه و ركز علي لغه الحوار في نقد المجتمع و رسم حركته. و النموذج البارز علي هذا الصعيد هو «نون و القلم»، و «حياه الخلايا» التي شبّه فيها المجتمع الايراني بالنحل … و ربما كان متأثراً ذلك بكتاب Insect Play (لعبه الحشره) لكارل جابك

المصادر
1) ادبيات نوين ايران، ترجمه و تدوين يعقوب آژند
2) نقش بر آب، د. عبد الحسين زرين كوب
3) هفتاد سخن، د. پرويز ناتل خانلري
4) آواها و ايماها، د. محمد علي اسلامي ندوشن

الوحده العدد 192

شهريار مانداني بور: التقاليد المدمرة والماضي كمصدر للتعاسة

شهريار مندانيبور، الصورة: الأرشيف الخاص
شهريار مندانيبور الذي يشترك في مشروع الديوان الغربي-الشرقي
يُعد الكاتب شهريار مانداني بور من المساهمين في رسم معالم جديدة في الأدب الإيراني، وهو الآن في رحلة عبر المدن الألمانية لقراءة أعماله الأدبية بدعوة من برنامج "الديوان الشرقي الغربي". تقرير بهمان نيرومند

ولد شهريار مانداني بور عام 1956 بمدينة شيراز في جنوب إيران، مسقط رأس الشاعر الكبير حافظ. ودرس علوم السياسة، واشترك أثناء الدراسة في المظاهرات الشعبية ضد الشاه الديكتاتور. وشارك طواعية فى الحرب الإيرانية العراقية (1980 – 1988) ثمانية عشر شهرا، قضاها ليل نهار في الخنادق وفي ساحة القتال بين الموت والحياة.

ولما عاد من الجبهة تعرف على الكاتب الشعبي المحبوب هوشانك غلشيري، الذي كان لنقده ومدحه الفضل في نشر أول قصة قصيرة لشهريار في مجلة الأدب "مفيد"، وبهذا تغلب شهريار على تخوفه. ومنذ 1989 استطاع شهريار أن يقدم رواية في مجلدين وتسعة مجلدات أخرى تضم قصصا قصيرة ومقالات عدة تهتم بالنواحي الأدبية والإجتماعية.

بين الحياة والموت

يغلب على روايات مانداني بور طابع الغموض والميوعة. وعلى الرغم من أن القارئ يحس بمقصده، إلا أنه يظل يتخبط في الظلمات. فعنده تتداخل الأزمان بعضها في بعض، حيث يسبق الماضي المستقبل والقديم يتصادم مع المعاصر، ويصبر صورا تائهة يدفعها الخوف والعزلة للكفاح من أجل الحياة. التي تندفع دونما قدرة على النظام، الى الحدود القصوى بين الحياة والموت.

وكل محاولة لتفسير روايات مانداني بور سواء كانت سياسية أو إجتماعية أو أخلاقية سوف تبوء بالفشل، لأن تلك الصور لا تتحرك في منظومة محددة، ولكن في عالم متناقض لا يعرف معنى للصبر ويكاد أن يزول.

رواية واحدة باللغة الألمانية

وفي رواية "تحطيم الأسنان المتحجرة" من مجلد "مومياء وعسل" (نشرت عام 1997)، وهي الرواية الوحيدة التي ترجمت إلى الألمانية حتى الآن، نجد شخصيتين رئيسيتين وبعض الشخصيات الفرعية، إلا أن القارئ يقابل إمرأة لا يعرف عنها شيئا بالضبط ولا حتى اسمها بالمرة.

يتضح انها مخطوبة أو محبوبة لرجل لم يأت ذكره إلا في الخطابات التي تأتيها منه، ويستنتج من تلك الخطابات أن الرجل كان بالإدارة المدنية في الجيش وأرسل لبناء قرية "جوراب". ويوجد في القرية أكواخ من الطوب اللبن مرتبطة ببعضها البعض بسراديب تحت الأرض.

ويعاني السكان من رمد في العيون، ويبصقون دما إذا ما تنفسوا الهواء المترب. ويجلس الرجال في ظل الأكواخ، كل على حده، يدخنون النرجيلة، ويتهامسون بين الحين والآخر، ولا يملّون الحملقة إلى الشارع.
ويغلب على الجو العام طابع الأشباح، وتسيطر على السكان حالة من الفقر والإهمال وفقدان الثقة لدرجة تودي بهم إلى الجنون الذي أصاب أيضا رجل الإدارة المدنية وهو يشعر بالعزلة والانفراد، لدرجة أنه هرب إلى قبو تحت الأرض.

وهناك سوف يلاحظ تقاليد عمرها آلاف السنين. وعندما يقف بين الأعمدة ويتنصت، يسمع قطرات الماء، ويسمع أيضا همسا كما لو كان منذ ما يزيد على ألف سنة. ويكتشف رسوما على الحائط ورجلا متحجرا، رمزا لحضارة وتقاليد عتيقة تنبئ عن سكان القرية عديمي الشعور ذوي التقاليد الثابتة. وحتى الحبوب القليلة "تنبت من عادات عمرها آلاف السنين"

لعنة الماضي

ويمسك الرجل المتحجر بسيف في يده كما لو كان يريد أن يطعن حيوانا، ويكتب رجل الإدارة المدنية عنه في آخر خطاب "إن عينيه شاحبتي الأطراف توحي بعبارات التوسل والرجاء".

"وقالوا لي: اضرب!، فأخذت بحجر وكسرت أسنانه، وفعلتُ ما أراد أن يفعله هو منذ آلاف السنين (...) وظللت أضرب حتى تهشم حجرا بعد حجر، ووقع على الأرض، ثم حلّت الظلمة وكان خرير الماء مفزعا".

إن الماضي هو مصدر التعاسة، ولا بد أن نحطم الماضي "حجرا بعد حجر". ولا بد أن يعاني البشر من أشد العذاب، حتى يأتي عصر جديد. ولا بد أن يحترق العالم، حتى تصبح الأرض اليابسة الجدباء خصبة مرة أخرى.

ونجد التقاليد والحضارة القديمة تلعب هنا دورا متناقضا، كما تلعب في قصص مانداني بور الأخرى التي عفى عليها الزمان. ومن الممكن أن تصبح تلك التقاليد مدمرة، إذا اتخذت كأداة لكبت الحريات، أو مصدرا للإعتقادات الخرافية. ولكن من الممكن أن تكون أيضا معالم على طريق المستقبل، ودلالة على بداية جديدة، عندما ينظر إليها المرء نظرة خلاقة وناقدة.

الزلزال والحرب والحب

ومن الموضوعات الأخرى التي يهتم بها مانداني بور هذه اللعنة التي أصابت الفرد والأسرة والمجتمع بأكمله. ويظهر موضوع اللعنة جلياً في معظم روايات مجلد "مومياء وعسل"، وبوضوح أكثر في رواية "مغامرة الحب" التي صدرت عام 1998. وتصف الرواية الآثار المدمرة لإحدى الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والحروب هنا. فالزلازل لعنة تحل بالناس فجأة، أما الحروب فهي كارثة يسببها البشر. وعلى الرغم من أن الكاتب قد عايش الحالتين، إلا أنه كان متحفظا في أقواله.

وتروي قصة "سالوم" من مجلد "الشرق البنفسجي" علاقة حب بين سيدة إنجليزية تقضي أياما في إيران وبين المرشد السياحي الإيراني. وهذه القصة هي أيضا مواجهة بين الشرق والغرب.

روايات بعد الحادي عشر من سبتمبر / أيلول

ونتيجة الإنطباعات التي تركتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر / أيلول 2001 ألّف مانداني بور مجلد "زرقة ما وراء البحر"، وهو يحتوي على أحد عشر قصة تحكي مصير أفراد يتضح منها أن الإرهاب يدخل في منظومة الكوارث الطبيعية والحروب.

ويصف المؤلف في خاتمة المجلد أن كونه كاتب إيراني أصيب بالكوابيس، ويقول أنه عايش الحرب والزلزال المدمر في رودبار بشمال إيران، ورأى أخيرا أحد الرجال يلقي بنفسة من ناطحة السحاب في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

البحث عن الخلاص بالكتابة

وكانت الكتابة هي الخلاص الوحيد للسيد/ مانداني بور من أهوال الحادي عشر من سبتمبر / أيلول ومن الكوابيس التي اعترته بعد القتل الجماعي. إلا أنه وجد صعوبة في صياغة أقدار أناس كانوا يعيشون بعيدا عنه، وتساءل عما قد يربط بينه وبين أولئك الضحايا في الطرف الآخر من العالم وبين آلامه.

ويكتب مانداني بور: لقد بدأ عصر جديد بعد ضربات نيويورك وواشنطن، وحدث تغيرات جوهرية "لم يكن للبشر علم بها، أو ربما لم يرغبوا في العلم بها". لقد انتهكت كرامة البشر وتعطلت المعاهدات الإجتماعية والقوانين.

ولا يطرح مانداني بور حلولا، ولكنه يستفز ويوقظ من السبات ويثير الغضب. و غالبا ما يود القارئ أن يوقظ الأشخاص من سباتهم العميق، ويشجعهم على تحمل أقدارهم.

بهمان نيرومند
حقوق الطبع قنطرة 2005
ترجمة عبد اللطيف شعيب

Tuesday, December 20, 2005

مجموعه من قصص قصيره: "قدم بخير كانت جدتي" لكاتب يوسف عليخاني

عدد الاجزاء: 1
سنة النشر: 2003
الطبعة رقم: 1
الناشر: دار النشر الافق
صفحة: 104
ISBN: 964-369-101-2

قدم بخير كانت جدتي لكاتب یوسف علیخانی، مجموعه قصص شكل من اثنتي عشر قصه قصيره و وقع في قريه وهميه باسم ميلك
ثلاث قصص من هذه المجموعه قبل انتشارها حاز بجايزه مهرگان القريه -16 و قصص منتخبه لمسابقه صادق هدايت لقصص قصيره. دار النشر افق انتشر هذه المجموعه
مجموعه قصص " قدم بخیر كانت جدتي" كانت واحد من حائزين جايزه السنويه الكتاب لجمهوري الايرانيه الاسلاميه في سنه 1383 -
2004
يوسف عليخاني (المولود في ميلك‘ قريه صغيره في جبال منطقه الموت في مدينه قزوين عام 1975) . هو كاتب قصص قصيره و كاتب صحفي و حتي الان انتشر عده كتب في مجال القصص. منها
جيل ثالث - حوار مع كتاب الجيل الثالث في الادب الحديث الايراني
عزيز و نگار - قرائت احدي قصص تغزليه من قصص العوام من مناطق الموت القزوين و طالقان طهران بالغه التاتي
قدم بخير كانت جدتي - مجموعه قصص قصيره
قصه حياه ابن بطوطه لشباب و مراهقين
قيد النشر: قصه حياه حسن صباح / نعاق الديك- قصه طويله/ قصص عاميه من رودبار و الموت - كتاب الاول: الموت السفلي/ زياريان - روايه
لقرائت بعض من مطالب حول هذه القصص، كليك هذا
***
***
بعض من المطالب ذات صله

رازآميز و جادوگرانه م.ع. سپانلو
این داستان های باطل السحر عبدالعلی دستغیب
رونوشت با اصل برابر نیست حسن محمودی
درون و برون متن فتح الله بی نیاز
معنا سازی های جادويی یاشار احدصارمی
تجربه هاى تازه و دلهره هاي دروني بهناز علیپور گسکری
خرافه های داستانی شده سپیده جدیری
جلسه نقد و بررسی کانون ادبیات ایران
جلسه نقد و بررسی نمایشگاه کتاب
خواب هایی که داستان شدند گفتگو با یوسف علیخانی ارژنگ تورانی
گفتگوی روزنامه شرق با یوسف علیخانی بهنام ناصح

فنون الشعر الفارسي

إسعاد عبد الهادي قنديل

التوفر
عدد الاجزاء: 1
سنة النشر: 1981
الطبعة رقم: 1
الناشر: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع
صفحة: 396
القياس: 24cm x 17cm

والشعر الفارسي الذي المحت الى فنونه هو الشعر الفارسي الاسلامي الذي صاغه الايرانيون في اللغة الفارسية الحديثة التي ظهرت في ايران كلغة ادبية قومية في القرن الثالث الهجري، والتي لا تزال مستعملة حتى الوقت الحاضر. ومن هنا بدا لي انه قد يكون من المفيد لقارئ الكتاب قبل ان يتعرف على فنون الشعر الفارسي، ان يعرف شيئا عن اللغة التي نظم بها هذا الشعر، وعن الشعر الذي يضم هذه الفنون، فبدأت الكتاب بباب في التعريف باللغة الفارسية والشعر الفارسي كتمهيد او مدخل لدراسة الفنون، واتبعته بباب في التعريف بالفنون الاصيلة، وباب ثالث في الفنون المستحدثة، وختمت الكتاب بالباب الرابع والاخير في المصطلحات العروضية والمحسنات البديعية، مؤيدة هذا كله بالشواهد والامثلة من اشعار كبار الشعراء في كل فن من الفنون، مع ترجمة تلك الشواهد باللغة العربية
هذا... واني لارجو ان يضيف هذا الكتاب شيئا الى الدراسات الفارسية، وان يجد فيه القارئ المتخصص وغير المتخصص بعض الفائدة،
فهذا ما قصدت اليه منه

قسم الدراسات اللغات الشرقية

Monday, December 19, 2005

مدارات ادونيس - تساؤلات صامتة تَعِد بالبراكين

الحياة - 15/12/05//

- 1 –

بدعوة من البعثة الثقافية في السفارة الفرنسية بإيران، أمضيتُ في هذا البلد (طهران، أصفهان، شيراز) أسبوعاً كاملاً. إنها أيام أعدّها بين أجمل الأيام التي عرفتها في زياراتي الثقافية الى بلدان العالم.

كنت في هذه الدعوة رفيقاً لمدعوة ثانية هي الشاعرة والروائية الصديقة فينوس خوري غاتا التي اضطرت للعودة الى باريس، ففاتتها زيارة أصفهان وشيراز.

كان البرنامج حافلاً: ندوات حول الترجمة، وحول الإبداع والتقليد. أمسيات شعرية. لقاءات مع الطلبة، ومع الفنانين والكتّاب والشعراء، زيارات وحوارات... إلخ.

في طهران، كما كان الشأن في دمشق، عندما دعتني المفوضية الأوروبية، منذ حوالى سنتين، غاب المسؤولون الرسميون عن جميع اللقاءات. لكن، مع ذلك، لم أواجه أية مضايقة. وتصدرت صورتي الصفحات الأولى في بعض الجرائد غير الرسمية: «الشرق» في طهران، وجريدتين أخريين في شيراز. إضافة الى حرارة الاستقبال في الوسط الطلابي، وبخاصة في جامعة العلاّمة الطباطبائي، وفي أوساط الشعراء والكتّاب والفننين.

وقد فاجأني، على نحو خاص، مستوى تتبع الطالبات والطلاب، ومعرفتهم بأعمالي الشعرية والنظرية، لا باللغة الفارسية وحدها، مترجمة إليها، بل بأصولها كذلك، في اللغة العربية.

وسُعدت كثيراً بعمق الأسئلة وعلوّ النقاش.

كان الشعر بخاصة، والثقافة بعامة، مدار نقاشاتنا. وفي هذا الاطار أود أن أشير الى ثلاث قضايا:

القضية الأولى هي أن الصورة التي تُنقل عن المرأة الإيرانية، إنما هي صورة ناقصة. والحجاب هو الذي يحضر مباشرة، في هذا الصدد. صحيح أن النساء يغطين رؤوسهن بقوة القانون. فهو مفروض عليهن. غير أنه، بالنسبة الى معظمهن ليس إلا مجرد ظاهر شكلي، يكاد معناه القانوني أن يمحو معناه الديني، بوصفه ثمناً تدفعه المرأة لكي تنطلق في ميادين الحياة العملية والفكرية والفنية. أي أنه يتحول الى مجرد وسيلة لتعزيز حرية الحركة. فالمرأة الإيرانية حاضرة بقوة وفعالية في الحياة اليومية والثقافية.

لنقل بتعبير آخر ان الحجاب المفروض من خارج ترفضه المرأة من داخل. وهو، إذاً، لا يفرض عليها فهماً معيناً، دينياً، أو فكراً محدداً. بل انه، على العكس، يُبقيها في صراع داخلي ضد هذا الفرض، وضد العقلية الكامنة وراءه، إن لم نقل ضد الدين نفسه. غير ان هذا لا يلغي وجود نساء يؤمنّ دينياً بضرورة وضع الحجاب وهنّ قليلات جداً في الوسط الثقافي، وبينهن نساء اعتنقن الاسلام، حديثاً، لسببٍ أو آخر.

هكذا نجد ان شجاعة المرأة الايرانية تُخرج الحجاب من سياقه الديني، بحيث لا يعود مسألة المرأة بقدر ما يُصبح مسألة فكر، ورؤية الى الانسان والعالم، وقبل كل شيء مسألة علاقة مع الذات، وبين الذات والآخر.

القضية الثانية هي انه لا يصح أن نُماهي أو أن نوحد بين «حقيقة» الشعب، و «حقيقة» السلطة، أو النظام، كما يفعل بعضهم، وأن نُطلق من ثمّ أحكاماً عامة قاطعة، ونبني صورة واحدة مقولبة. ففي ذلك، لا نسيء الفهم وحده، وإنما نشوّه الواقع كذلك.

هناك جزء كبير، ومتنوع، منا لشعب، وعلى الأخص في الوسط الطلابي الجامعي، وفي الأوساط الشعرية والفنية والفكرية، يفكر في استقلال عن السلطة وثقافتها، وفي تناقض معهما، غالباً، وهو، إذاً، لا يرى نفسه في السلطة، ولا ينظر اليها إلا بوصفها قائمة على آلية لا ترتبط بـ «جواهر»، وإنما ترتبط بـ «أعراض» و «ظروف». ويرى، تبعاً لذلك، أن المشكلة الرئيسة في هذه السلطة تنبع، على رغم دعوى «الجوهرية» أو «وحدة الدين والدنيا» – من «التاريخ»، ذاكرة وثقافة، وليس من الإنسان نفسه – إبداعاً وتطلعاً.

القضية الثالثة هي أن الدين في علاقته بالنظام والسياسة والمجتمع والثقافة، موضع تساؤل ملح وجذري في إيران. غير انه تساؤل شبه صامت: لا يشغل الألسنة والأصوات، بقدر ما يشغل القلوب والعقول. بدأب، وحيرة، وقلق، وتمزق. ولئن كان في مثل هذا التساؤل الصامت ما يَعِدُ بالبراكين وانفجاراتها، فإن في «الجزر» الهامشية، ما يوفر إمكاناً للتنفس، وما يؤجل حالات الانفجار.

- 2 –

أجد في ما تقدم فرصة كذلك للتأمل في السلطة الدينية، فيما يتجاوز المسألة الإيرانية. فليس هناك ما هو أشد قسوة وأكثر مدعاة للغضب والحسرة معاً، من أن يرى الإنسان تُراثه الذي تعلّم فيه الحرية والنقد والتساؤل والابداع، يتحول الى عالم من السجون والسلاسل، في الحياة والفكر.

وليس هناك ما يعبّر عن المرير والفاجع في حياة الشعب كمثل ما تعبر الحالة التي يرى فيها الانسان كيف تُحوّل السلطة «حقه» الى باطل، و «نوره» الى ظلام، و «حياته» الى موت متواصل – بتأويل ديني، أو باستراتيجية سياسية تنهض على الدين.

كيف نقنع إذاً السلطة (الإسلامية) بأن من العبث والمستحيل أن تكون، في آن، سياسة ودينية؟

كيف نقنعها بأنها لا تستطيع أن تكون سياسة، إلا إذا كانت حرية، وكان فيها لتعدد الآراء محل ودور؟

كيف، بتعبير آخر، نقنعها أن السياسة الوطنية حقاً، لا تكون إلا بحرية المواطنين، بحرية البشر الذين لا يمكن أن يكونوا نسخاً عن الحاكم أو ظلالاً له؟

كيف نقنع السلطة (الإسلامية) أن الاستعباد لا يمارسه إلا المُستعبد، سلفاً، وأن الحر هو من يحرر، ومن يعلّم الحرية؟

عندما أعيد قراءة الآيات القرآنية التي تنص على حرية المعتقد والقول، في سُوَر البقرة، والنساء، والأنعام، ويونس، وهود، والإسراء، والكهف، والفرقان، والزُّمَر، والشورى، وق، والغاشية،

أتساءل: ماذا يُلقِّنُ الشبان أولئك الذين يرسلونهم للقيام مثلاً بعمليات انتحارية لقتل المختلفين في الآراء والأفكار، أو لقتل «الكفار»؟

وعندما أعيد قراءة آيات كهذه:

«ولو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس، 99)،

«فذكّر، إنما أنت مذكّر، لست عليهم بمسيطر» (الغاشية، 21، 22)،

«وما أنت عليهم بوكيل» (الشورى، 6)،

«وما أرسلناك عليهم وكيلاً» (الإسراء).

وأدقق في أوضاع السلطات الإسلامية، وأتأمل، وأقارن، أجد ان بعض هذه السلطات تتناقض في ممارساتها تناقضاً كاملاً مع النص القرآني الذي تزعم أنها تعمل على تطبيقه، من حيث أنها تُنصّب نفسها «وكيلاً»! وأجدني أزداد قناعة بالفصل الكامل بين الدين والدولة – سياسة وثقافة. خصوصاً ان التجربة التاريخية تؤكد ان الوحدة بين الدين والدولة، لم تُؤَدِّ في الماضي، (وإذاً، لن تؤدي في الحاضر والمستقبل)، الى تعميق التجربة الدينية وترسيخها، وإنما أدت، على العكس، الى تجميدها، وإفراغها من التوهج الخلاّق.

أزداد قناعة كذلك، بفعل احترامي الكامل للتعدد والتنوع، بأن على المؤمنين – دينياً، أن يتدارسوا، في ضوء هذه التجربة التاريخية، وفي ضوء التقدم الإنساني، مسألة العلاقة بين الدين والسلطة، إذا كانوا حريصين فعلاً على الحضور الكريم للدين – انسانياً، وحضارياً. خصوصاً أن هذه العلاقة تزداد، في ما يتعلق تحديداً بالإسلام، التباساً وتعقيداً، وأنها علاقة تتجسد في الإكراه والاستئثار والطغيان، أكثر مما تتجسد في الحرية والمساواة.

وتخلق هذه العلاقة في وضعها السائد، حالات يفقد فيها المواطن – «المعارض» صفة «المواطنية»، مما يشلُّ حركية المجتمع، ويدمّر طاقاته الخلاقة، ويبقيه في حالة بائسة من الضياع والتفتت والتشرذم.

وتزداد هذه المسالة التباساً وتعقيداً كذلك، لأن «السلطة»، اليوم، تتخطى حدودها «الرسمية – التقليدية»، أو «النظامية» الى حدود أخرى، يُصبح فيها قسمٌ من الشعب شريكاً عملياً – «حاكماً» مع «النظام»، إزاء قسم آخر «محكوم»، وخارج أية شراكة مع الحاكمين. هكذا لا ينحصر «البوليس» بمختلف أشكاله في بنية السلطة، بحصر المعنى، وإنما «يتمدد»، ويُصبح «شعبياً». وفي هذه الحالة نرى البيت الواحد منقسماً: بعضه جزءٌ من طلب الحرية، وبعضه جزءٌ من طلب القمع والرقابة.

وما من شيء أشدّ خطراً على المجتمع – حياة وثقافة، من أن تتحول، اليوم، العبارة التي تُنسب الى لويس الرابع عشر: «الدولة هي أنا – (الملك)»، وتكرر في صيغة ثانية: «الدولة هي أنا – (الإمام)». فهذه العبارة لا «تقدّس» في الحقيقة، الدين، أو رمزه، وإنما تقدس الدولة، والسلطة! هكذا تتحول «الموضوعية» العامة للدولة الى «ذاتية» فردية، خاصة، وشبه مطلقة!

- 3 –

الشارع في أصفهان، كمثل إيكاروس: يطير – لكنه لا يحترق بنور الشمس. أجنحته هي نفسها خطواته. والخطوات كواكب أخرى.

بلى،كأن شمس أصفهان تتمدد، وتتمطى، وتتطاول كما لو أنها لا تريد أن تُفارق تلك الساحة «الكونية»، ساحة «صورة العالم».

ماذا يدور، إذاً، بين الفلك، وهذه الساحة في قلب أصفهان، بجناحيها المفردين: جامع الشيخ لطف الله العاملي، الأعجوبة الهندسية الفائقة، وجامع شاه عباس الأول، الأعجوبة الهندسية الأخرى، الأكثر إعجازاً؟ حيث اتخذ بهاء الدين، العاملي، كذلك، ركناً خاصاً فيه، سُمّي باسمه، هذا الجامع الذي استغرق بناؤه فترة تزيد عن نصف قرن: سبعة وخمسين عاما، تحديداً؟

عليّ أن أسأل الفردوسي. أن أسأل أيضاً حافظ الشيرازي، وسعدي، جاره البعيد القريب، والخيام ذلك الحكيم الإلهي. عليّ كذلك أن أسأل العطار وطائر السيمورغ.

أصدّق المعري.

غير انه تصديق أحرجني: لم أُخفف الوطء في شوارع المدن الإيرانية التي زرتها – طهران، أصفهان، شيراز، مع انني كنت أشعر انني أسير الى جانب هؤلاء الخلاقين، وبين بقاياهم.

وأصدق حكمة الإشارة.

والتحية لابن سينا – الجسر البهيّ، الواصل.

*

لو شئتَ أن تزنَ اللون في أصفهان، لاحتجت الى جميع المثاقيل التي تخبئها الرياح. خيرٌ لك، إذاً، أن تقف على عتبة الخط والنقش والرقش. ولا تلوموني، إذا لمتُ الحبر الذي توغل بعيداً بعيداً في فضاء الجمال – شهباً، وهالاتٍ، وأقواس قزح، وقمراً وشمساً.

كلا لم أكن أسير تحت سقف الواقع. كنت أسير تحت سقف المخيلة – في الصورة، والتوهم، والاحتمال. كنت أتنقل في عربة محبوكة بخيوط تنزل عمودية من مغزل السماء.

قمر أصفهان، تلك الليلة: في وجهه وجوهٌ عديدة،

والضوء الذي فيه لا يجيء من الأرض وحدها.

سأحمله تحت أهدابي الى شيراز.

*

في شيراز،

عندما تتلفظ بكلمة جسد، يُخيل إليك ان هذه اللفظة سرعان ما تتحول، وتأخذ شكل الأرض.

ألهذا سُئلت في الأمسية التي أقيمت في «قاعة حافظ» عن العلاقة اليوم بين الشعر والغناء في البلاد العربية؟

ألهذا عندما ذكرت انني أحب صوتين نسائيين عربيين، وسميتهما: أم كلثوم وفيروز، ضجّت القاعة بالتصفيق؟ ولم أدرك المعنى الكامن وراء هذا التصفيق إلا عندما سألت عنه، وقيل لي: لا يحق للمرأة أن تغني في إيران! – هي التي تصدّرت تاريخ الغناء في الحياة الاسلامية – العربية.

هكذا، سأتحدث، عِبرَ سعدي وحافظ، مع السماء. وسوف أزرع الالتباس بين جيم الجنة وجيم الجحيم.

وسوف أرسم قمر شيراز بلون أحمر قرمزي، وأكتب:

للغة الفارسية وردةٌ

اسمها حافظ الشيرازي، حيناً،

وحيناً اسمها الحب.

وسوف أودّع شيراز مغنياً:

الخيّام طائرٌ اسمه الضوء،

الخيّام إكسيرٌ آخر للحياة.

*

لكن، لكن،

بماذا تهمس شفتا تلك المرأة،

تلك المرأة – تحديداً؟

وبماذا يبشّر كوكب الزهرة،

هذا المساء؟

Monday, August 15, 2005

العدو في ثياب الصديق أو مثل "البوم والغربان"عبـد الله بن المقفـع

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت مثل إخوان الصفاء وتعاونهم، فاضرب لي مثل العدوّ الذي لا ينبغي أن يغتر به، وإن أظهر تضرعاً وملقاً، قال الفيلسوف: من اغتر بالعدو الذي لم يزل عدواً، أصابه ما أصاب البوم من الغربان. قال الملك وكيف كان ذلك؟ قال بيدبا: زعموا أنه كان في جبل في الجبال شجرة من شجر الدوح، فيها وكر ألف غراب، وعليهن والٍ من أنفسهن، وكان عند هذه الشجرة كهف فيه ألف بوم، وعليهن والٍ منهن. فخرج ملك البوم لبعض غدواته وروحاته، وفي نفسه العداوة لملك الغربان، وفي نفس الغربان وملكها مثل ذلك للبوم، فأغار ملك البوم في أصحابه على الغربان في أوكارها، فقتل وسبى منها خلقاً كثيراُ، وكانت الغارة ليلاً، فلما أصبحت الغربان اجتمعت إلى ملكها فقلن له: قد علمت ما لقينا الليلة من ملك البوم، وما منّا لإلا أصبح قتيلاً أو جريحاً أو مكسور الجناح أو منتوف الريش أو مقطوف الذنب وأشد مما أصابنا ضراً علينا جراءتهن علينا، وعلمهن بمكاننا، وهنّ عائدات إلينا غير منقطعات عنّا: لعلمهنّ بمكاننا: فإنما نحن لك، ولك الرأي، أيها الملك، فانظر لنا ولنفسك، وكان في الغربان خمسة معترف لهن بحسن الرأي، يسند إليهنّ في الأمور، ويلقى عليهن أزمة الأحوال. وكان الملك كثيراً ما يشاورهن في الأمور، ويأخذ آراءهن في الحوادث والنوازل. فقال الملك للأول من الخمسة: ما رأيك في هذا الأمر؟ قال: رأي قد سبقتنا إليه العلماء، وذلك أنهم قالوا: ليس للعدو الحنق إلا الهرب منه. قال الملك للثاني: ما رأيك في هذا الأمر؟ قال: رأي ما رأى هذا من الهرب. قال الملك: لا أرى لكما ذلك رأياً، أن نرحل عن أوطاننا ونخليها لعدونا من أول نكبة أصابتنا منه ولا ينبغي لنا ذلك ولكن نجمع أمرنا ونستعد لعدونا ونذكي نار الحرب فيما بيننا وبين عدونا ونحترس من الغرة إذا أقبل إلينا فنلقاه مستعدين ونقاتله قتالاً غير مراجعين فيه، ولا مقصرين عنه وتلقى أطرافنا أطراف العدو ونتحرز بحصوننا وندافع عدونّا: بالأناة مرة وبالجلاد أخرى حيث نصيب فرصتنا وبغيتنا، وقد ثنينا عدونا عنّا. ثم قال الملك للثالث: ما رأيك أنت؟ قال: ما أرى ما قالا رأياً. ولكن نبث العيون ونبعث الجواسيس ونرسل الطلائع بيننا وبين عدونا فنعلم أيريد صلحنا أم يريد حربنا أم يريد الفدية؟ فإن رأينا أمره أمر طامع في مال، لم نكره الصلح على خراجٍ نؤديه إليه كل سنة، ندفع به عن أنفسنا ونطمئن في أوطاننا: فغن من أراء الملوك إذا أشتدت شوكة عدوهم، فخافوه على أنفسهم وبلادهم، أن يجعلوا الأموال جنة البلاد والملك والرعية. قال الملك للرابع: فما رأيك في هذا الصلح؟ قال لا أراه رأياً بل أن نفارق أوطاننا ونصبر على الغربة وشدة المعيشة خيرٌ من أن نضيع أحسابنا ونخضع للعدو الذي نحن أشرف منه مع أن البوم لو عرضنا ذلك عليهن لما رضين منّا إلا بالشَّطط. ويقال في الأمثال: قارب عدوك بعض المقاربة: لتنال حاجتك.ولا تقاربه كل المقاربة: فيتجرىء عليك ويضعف جندك وتذلَّ نفسك. ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس: إذا أملتها قليلاً زاد ظلها، وإذا جاوزت بها الحد في إمالتها نقص الظلُّ. وليس عدونا راضياً منّا بالدون في المقاربة، فالرأي لنا ولك المحاربة. قال الملك للخامس: ما تقول أنت؟ وماذا ترى: القتال أم الصلح أم الجلاء عن الوطن؟ قال: أما القتال فلا سبيل للمرء إلى قتال من لا يقوى عليه وقد يقال: إنه من لا يعرف نفسه وعدوه وقاتل من لا يقوى عليه، حمل نفسه على حتفها مع أن العاقل لا يستصغر عدواً: فإن من استصغر عدوه اغتر به ومن اغتر بعدوه لم يسلم منه. وأنا للبوم شديد الهيبة وإن أضربن عن قتالنا وقد كنت أهابها قبل ذلك، فإن الحازم لا يأمن عدوه على كل حال فإن كان بعيداً لم يأمن سطوته، وإن كان مكثباً لم يأمن من وثبته، وإن كان وحيداً لم يأمن من مكره. وأحزم الأقوام وأكسيهم من كره القتال لجل النفقة فيه: فإن ما دون القتال النفقة فيه من الأموال والقول والعمل، والقتال النفقة فيه من الأنفس والأبدان. فلا يكونن القتال للبوم من رأيك، أيها الملك: فإن من قاتل من لا يقوى عليه فقد غرر بنفسه. فإذا كان الملك محصناً للأسرار، متخيراً للوزراء، مهيباً في أعين الناس، بعيداً من أن يقدر عليه، كان خليقاً ألا يسلب صحيح ما أوتى من الخير. وأنت، أيها الملك، كذلك. وقد استشرتني في أمر جوابك منّي عنه، في بعضه علانية، وفي بعضه سرٌ وللأسرار منازل: منها ما يدخل فيه الرهط، ومنها ما يستعان فيه بالقوم، ومنها ما يدخل فيه الرجلان. ولست أرى لهذا السر على قدر منزلته أن يشارك فيه إلا أربع آذانٍ ولسانان. فنهض الملك من ساعته، وخلا به، فاستشاره، فكان أول ما سأله عنه الملك أنه قال: هل يعلم ابتداء عداوة ما بيننا وبين البوم؟ قال: نعم: كلمة تكلم بها غراب. قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الغراب: زعموا أن جماعة من الكراكي لم يكن لها ملك، فأجمعت أمرها على أن يملكن عليهن ملك البوم فبينما هي في مجمعها إذ وقع لها غراب، فقالت: لو جاءنا هذا الغراب. لاستشرناه؛ فلم يلبثن دون أن جاءهن الغراب. فاستشرنه، فقال: لو أن الطير بادت من الأقاليم، وفقد الطاوس والبط والنعام والحمار من العالم لما اضطررتن إلى أن تملّكن عليكنّ البوم التي هي أقبح الطير منظراً، وأسوؤها خلقاً، وأقلها عقلاً، وأشدها غضباً وأبعدها من كل رحمة، مع عماها وما بها من العشا بالنهار، وأشد من ذلك وأقبح أمورها سفهها وسوء أخلاقها، إلا أن ترين أن تملكنها وتكن أنتن تدبرن الأمور دونها برأيكن وعقولكن، كما فعلت الأرنب التي زعمت أن القمر ملكها، ثم عملت برأيها، قال الطير: وكيف كان ذلك؟قال الغراب: زعموا أن أرضاً من أراضي الفيلة تتابعت عليها السنون، وأجدبت، وقل ماؤها، وغارت عيونها، وذوى نبتها، ويبس شجرها، فأصاب الفيلة عطش شديد: فشكون ذلك إلى ملكهن، فأرسل الملك رسوله ورواده في طلب الماء، في كل ناحية. فرجع إليه بعض الرسل، فأخبره إني قد وجدت بمكان كذا عيناً يقال لها عين القمر، كثيرة الماء. فتوجه ملك الفيلة بأصحابه إلى تلك العين ليشرب منها هو وفيلته. وكانت العين في أرض للأرانب، فوطئن الأرانب في أجحارهن، فأهلكن منهن كثيراً، فاجتمعت الأرانب إلى ملكها فقلن له: قد علمت ما أصابنا من الفيلة فقال: ليحضرن منكن كل ذي رأي رأيه. فتقدمت أرنبٌ من الأرانب يقال لها فيروز. وكان الملك يعرفها بحسن الرأي والأدب، فقالت: إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة ويرسل معي أميناً، ليرى ويسمع ما أقول، ويرفعه إلى الملك، فقال لها الملك: أنت أمينة، ونرضى بقولك، فانطلقي إلى الفيلة، وبلغي عني ما تريدين. واعلمي أن الرسول برأيه وعقله، ولينه وفضله، يخبر عن عقل المرسل. فعليك باللين والرفق والحلم والتأني: فإن الرسول هو الذي يلين الصدور إذا رفق، ويخشن الصدور إذا خرق. ثم إن الأرنب انطلقت في ليلة قمراء، حتى انتهت إلى الفيلة، وكرهت أن تدنو منهن: مخافة أن يطأنها بأرجلهن، فيقتلنها، وإن كنّ غير متعمدات. ثم أشرفت على الجبل ونادت ملك الفيلة وقالت له: إن القمر أرسلني إليك، والرسول غير ملوم فيما يبلغ، وإن أغلظ في القول. قال ملك الفيلة: فما الرسالة؟ قالت: يقول لك: إن من عرف فضل قوته على الضعفاء، فاغتر بذلك في شأن الأقوياء، قياساً لهم على الضعفاء، كانت قوته وبالاً عليه. وأنت قد عرفت فضل قوتك على الدواب، فغرّك ذلك، فعمدت إلى العين التي تسمى باسمي، فشربت منها، وكدّرتها. فأرسلني إليك: فأنذرك ألا تعود إلى مثل ذلك. وإنك إن فعلت أُغشِّ بصرك، وأتلف نفسك. وإن كنت في شكٍّ من رسالتي، فهلم إلى العين من ساعتك: فإني موافيك بها. فعجب ملك الفيلة من قول الأرنب، فانطلق إلى العين مع فيروز الرسول. فلما نظر إليها، رأى ضوء القمر فيها. فقالت له فيروز الرسول: خذ بخرطومك من الماء فاغسل به وجهك، واسجد للقمر. فأدخل الفيل خرطومه في الماء، فتحرك فخيل للفيل أن القمر ارتعد. فقال: ما شأن القمر ارتعد؟ أتراه غضب من إدخالي الخرطوم في الماء؟ قالت فيروز الأرنب: نعم. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى، وتاب إليه مما صنع، وشرط ألا يعود إلى مثل ذلك هو ولا أحد من فيلته. قال الغراب: ومع ما ذكرت من أمر البوم إن فيها الخبَّ والمكر والخديعة، وشر الملوك الخادع، ومن ابتلى بسلان مخادع، وخدمه، أصاب ما أصاب الأرنب والفرد حين احتكما إلى السنور. قالت الكراكي: وكيف كان ذلك؟ قال الغراب: كان لي جاراً من االصفاردة في أصل شجرة قريبة من وكرى وكان يكثر مواصلتي ثم فقدته فلم أعلم أين غاب وطالت غيبته عني. فجاءت أرنب إلى مكان الصفرد فسكنته فكرهت أن أخاصم الأرنب فلبثت فيه زماناً. ثم إن الصفرد غاد بعد زمان فأتى منزله فوجد فيه الأرنب. فقال لها : هذا المكان لي ، فانتقلي عنه. قالت الأرنب: المسكن لي، وتحت يدي؛ وأنت مدّع له. فإن كان لك حقٌ فاستعد بإثباته عليّ. قال الصفرد: القاضي منا قريب: فهلمي بنا إليه. قالت الأرنب: ومن القاضي؟ قال الصفرد: إن بساحل البحر سنوراً متعبداً، يصوم النهار، ويقوم الليل كله؛ ولا يؤذي دابةٍ، ولا يهرق دماً، عيشه من الحشيش ومما يقذفه إليه البحر. فإن أحببت تحاكمنا إليه، ورضينا به. قالت الأرنب: المسكن لي، وتحت يدي، وأنت مدع له. فإن كان لك حق فاستعد بإثباته عليّ.قال الصفرد: القاضي؟ منا قريب: إن بساحل البحر سنوراًمعبداً، يصوم النهار، ويقوم الليل كله، ولايؤذى دابة، ولا يهريق دماً، عيشه من الحشيش ومما يقذفه إليه البحر. فإن أحببت تحاكما إليه، ورضينا به. قالت الأرنب: ما أرضاني به إذا كان كما وصفت. فانطلقا إليه فتبعهما لأنظر إلى حكومة الصوام القوام ثم إنهما ذهبا إليه فلما بصر النور بالأرنب والصفرد مقبيلين نحوه، انتصب قائماً يصلي، وأظهر الخشوع والتنسك. فعجبا لما رأيا من حاله ودنوا منه هائبين له، وسلما عليه وسألاه أن يقضي بينهما. فأمر هما أن يقصا عليه القصة ففعلا. فقال لهما: قد بلغني الكبر وثقلت أذناي: فادنوا مني فاسمعانى ما تقولان. فدنوا منه، وأعادا عليه القصة وسألاه الحكم فقال قد فهمت ما قلتما، وأنا مبتدئكما بالنصيحة قبل الحكومة بينكما: فأنا آمركما بتقوى الله وألاتطلبا إلا الحق هو الذي يفلح، وأن قضى عليه وطالب الحق هو الذي يفلح وإن قضى عليه وطالب الباطل مخصوم وإن قضى له. وليس لصاحب الدنيا من دنياه شئ لا مال ولا صديق سوى العمل الصالح يقدمه فذو العقل حقيق أن يكون سعيه في طلب ما يبقى وعود نفعه عليه غداً، وأن يمقت بسعيه فيما سوى ذلك من أمور الدنيا: فإن منزلة المال عند العاقل بمنزلة المدر، ومنزلة الناس عنده فيما يحب أهم من الخير ويكره من الشر بمنزلة نفسه. ثم إن السّنّور لم يزل يقصّ عليهما من جنس هذا وأشباهه، حتى أنسا إليه، وأقبلا عليه، ودنوا منه، ثم وثب عليهما فقتلهما. قال الغراب: ثم إن البوم تجمع مع ما وصفت لكن من الشؤم سائر العيوب: فلا يكونن تمليك البوم من رأ يكن. فلما سمع الكراكى ذلك من كلام الغراب أضربن عن تمليك البوم. زكان هناك بوم حاضر قد سمع ما قالوا، فقال الغراب: لقد وترتني أعظم الترة، ولا أعلم أنه سلف مني إليك سوءٌ أوجب هذا. وبعد فاعلم أن الفأس يقطع به الشجر فيعود ينبت السيف يقطع اللحم ثم يعود فيندمل واللسان لا يندمل جرحه ولا تؤسى مقاطعه. والنصل من السهم يغيب في اللحم ثم ينزع فيخرج، وأشباه النصل من الكلام إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج. ولكل حريق مطفئٌ: فللنار الماء، وللسم الدواء وللحزن الصبر ونلر الحقد لا تخبو أبداً. وقد غرستم معاشر الغربان بيننا وبينكم شجر الحقد والعداوة والبغضاء.فلما قضى البوم مقالته، ولىّ مغضباً، فأخبر ملك البوم بما جرى وبكل ما كان منقول الغراب، ثم إن الغراب ندم على ما فرط منه، وقال: والله لقد خرقت في قولي الذي جلبت به العداوة والبغضاء على نفسي وقومي! وليتني لم أخبر الكراكي بهذه الحال! ولا أعلمتها بهذا الأمر! ولعل أكثر الطير قد رأى أكثر مما رأيت، وعلم أضعاف ما علمت، فمنعها من الكلام بمثل ما اتقاء ما لم أتق، والنظر فيما لم أنظر فيه من حذار العواقب، لا سيما إذا كان الكلام أفظع كلام، يلقى منه سامعه وقائله المكروه مما يورث الحقد والضغينة، فلا ينبغي لأشباه هذا الكلام، أن تسمى كلاماً، ولكن سهاماً. والعاقل، وإن كان واثقاً بقوته وفضله، لا ينبغي أن يحمل ذلك على أن يجلب العداوة على نفسه اتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة، كما أنه وإن كان عنده الترياق لا ينبغي له أن يشرب السم اتكالاً على ما عنده. وصاحب حسن العمل، وإن قصر به القول في مستقبل الأمر، كان فضله بيّناً واضحاً في العاقبة والاختار، وصاحب حسن القول، وإن أعجب الناس منه حسن صفته للأمور لم تحمد عاقبة أمره. وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة. أليس من سفهي اجترائي على التكلم في الأمر الجسيم لا أستشير فيه أحداً، ولم أعمل فيه رأياً؟ ومن لم يستشر النصاء الأولياء، وعمل برأيه من غير تكرار النظر والروية، لم يغتبط بمواقع رأيه. فما كان أغناني عما كسبت يومي هذا، وما وقعت فيه من الهم! وعاتب الغراب نفسه بهذا الكلام وأشباهه وذهب. فهذا ما سألتني عنه من ابتداء العداوة بيننا وبين البوم.وأما القتال فقد علمت رأيي فيه، وكراهتي له، ولكن عندي من الرأي والحيلة غير القتال ما يكون فيه الفرج إن شاء الله تعالى: فإنه ربَّ قوم قد احتالوا بآرائهم حتى ظفروا بما أرادوا. ومن ذلك حديث الجماعة الذين ظفروا بالناسك، وأخذوا عريضه قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الغراب: زعموا ان ناسكاً اشتى عريضاً ضخماً ليجعله قرباناً، فانطلق به يقوده فبصر به قوم من المكرة، فأتمروا بينهم أن يأخذوه من الناسك. فعرض له أحدهم فقال له: أيها الناسك، ما هذا الكلب الذي معك؟ ثم عرض له الآخر فقال لصاحبه: ما هذا الناسك، لأن الناسك لا يقود كلباً. فلم يزالو مع الناسك على هذا ومثله حتى لم يشك أنَّ الذي يقوده كلبٌ، وأن الذي باعه إياه سحر عينه، فأطلقه من يده، فأخذه الجماعة المحتالون ومضوا به. وإنما ضربت لك هذا المثل لما أرجو أن نصيب من حاجتنا بالرفق والحيلة. وإني أريد من الملك أن ينقرني على رؤوس الأشهاد، وينتف ريشي وذنبي، ثم يطرحني في أصل هذه الشجرة، ويرتحل الملك هو وجنوده إلى مكان كذا. فأرجو أنّي أصبر وأطلع على أحوالهم، ومواضع تحصينهم وأبوابهم، فأخادعهم وآتي إليكم لنهجم عليهم، وننا منهم غرضنا إن شاء الله تعالى.قال الملك: أتطيب نفسك لذلك؟ قال: نعم، وكيف لا تطيب نفسي لذلك وفيه أعظم الراحات للملك وجنوده؟ ففعل الملك بالغراب ما ذكر، ثم ارتحل عنه فجعل الغراب يئن ويهمس حتى رأته البوم وسمعته يئن، فأخبرن ملكهن بذلك، فقصد نحوه ليسأله عن الغربان فلما دنا منه أمر بوماً أن يسأله فقال له: من أنت؟ وأين الغربان؟ فقال: أما اسمي ففلان، وأما ما سألتني عنه فإني أحسبك ترى أن حالي حال من لا يعلم الأسرار فقيل لملك البوم: هذا وزير ملك الغربان وصاحب رأيه، فنسأله بأي ذنب صنع به ما صنع؟ فسئل الغراب عن أمره فقال: إن ملكنا استشار جماعتنا فيكنَّ: وكنت يومئذٍ بمحضرٍ من الأمر، فقال: أيها الغربان، ما ترون في ذلك؟ فقلت: أيها الملك لا طاقة لنا بقتال البوم: لأنهن أشد بطشاً، وأحد قلباً منَّا ولكن أرى أن نلتمس الصلح، ثم نبذل الفدية في ذلك، فإن قبلت البوم ذلك منّا، وإلا هربنا في البلاد وإذا كان القتال بيننا وبين البوم كان خيراً لهنّ وشراً لنا، فالصلح أفضل من الخصومة وأمرتهنَّ بالرجوع عن الحرب، وضربت لهن الأمثال في ذلك، وقلت لهن: إن العدوّ الشديد لا يرد بأسه وغضبه مثل الخضوع له: ألا ترين إلى الحشيش كيف يسلم من عاصف الريح للينه وميله معها حيث مالت فعصينني في ذلك وزعمن أنهن يردن القتال وأتهمنني في ما قلت، وقلنا إنك قد مالأت البوم علينا ورددنَ قولي ونصيحتي وعذبنني بهذا العذاب وتركني الملك وجنوده وأرتحل ولا علم لي بهن بعد ذلك: فلما سمع ملك البوم مقالة الغراب قال لبعض وزرائه: ما تقول في الغراب؟ وما ترى فيه؟ قال: ما أرى إلا المعاجلة له بالقتل: فإن هذا أفضل عُدَدِ الغربان، وفي قتله لنا راحة من مكره وفقده على الغربان شديد ويقال: من ظفر بالساعة التي فيها ينجح العمل ثم لا يعاجله بالذي ينبغي له فليس بحكيم ومن طلب الأمر الجسيم فأمكنه ذلك فأغفله فاته الأمر وهو خليق ألا تعود له الفرصة ثانية ومن وجد عدوه ضعيفاً ولم ينجز قتله ندم إذا استقوى ولم يقدر عليه قال الملك لوزير آخر: ما ترى أنت في هذا الغراب؟ قال: أرى ألا تقتله: فإن العدو الذليل الذي لا ناصر له أهلٌ لأن يستبقى ويرحم ويصفح عنه ولا سيما المستجير الخائف: فإنه أهلٌ لأن يؤمن.قال ملك البوم لوزير آخر من وزائه: ما تقول في الغراب؟ قال: أرى أن تستبقيه وتحسن إليه: فإنه خليق أن ينصحك والعاقل يرى معادات بعض أعدائه بعضاً ظفراً حسناً ويرى أشتغال بعض أعدائه ببعض خلاصاً لنفسه منهم ونجاة كنجاة الناسك من اللص والشيطان حين اختلفا عليه قال الملك له: وكيف كان ذلك؟ قال الوزير: زعموا أن ناسكاً أصاب من رجل بقرة حلوباً فانطلق بها يقودها إلى منزله، فعرض له لص أراد سرقتها واتبعه شيطان يريد اختطافه. فقال الشيطان للص: من أنت؟ قال أنا اللص، أريد أن أسرق البقرة من الناسك إذا نام. فمن أنت؟ قال: أنا الشيطان أريد أختطافه إذا نام وأذهب به فاتهيا على هذا إلى المنزل فدخل الناسك منزله ودخلا خلفه وأدخل البقرة فربطها في زاوية المنزل وتعشى ونام. فأقبل اللص والشيطان يأتمران فيه واختلفا على من يبدأ بشغله أولاً فقال الشيطان للص: إن أنت بدأت بأخذ البقرة فربما استيقظ وصاح، واجتمع الناس: فلا أقدر على أخذه فأنظرني ريثما آخذه، وشأنك وما تريد. فأشفق اللص إن بدأ الشيطان باختطافه فربما استيقظ فلا يقدر على أخذ البقرة، فقال: لا، بل انظرني أنت حتى آخذ البقرة وشأنك زما تريد فلم يزالا في المجادلة هكذا حتى نادى اللص: أيها الناسك انتبه: فهذا الشيطان يريد اختطافك، ونادى الشيطان: أيها الناسك انتبه: فهذا اللص يريد أن يسرق بقرتك فانتبه الناسك وجيرانه بأصواتهما، وهرب الخبيثان. قال الوزير الأول الذي أشار بقتل الغراب: أظن أن الغراب قد خدعكنَّ ووقع كلامه في نفس الغبي منكنّ موقعه، فتردن أن تضعنّ الرأي في غير موضعه فمهلاً مهلاً أيها الملك عن هذا الرأي. فلم يلتفت الملك إلى قوله وأمر الغراب أن يحمل إلى منازل البوم، ويكرم ويستوصى به خيراً.ثم إن الغراب قال للملك يوماً وعنده جماعة من البوم وفيهن الوزير الذي أشار بقتله: أيها الملك قد علمت ما جرى عليّ من الغربان وأنه لا يستريح قلبي إلا بأخذي بثأري منهن، وإني قد نظرت في ذلك فإذا بي لا أقدر على ما رمت: لأني غراب وقد روى عن العلماء أنهم قالوا: من طابت نفسه بأن يحرقها فقد قرب لله أعظم القربان لا يدعو عند ذلك بدعوة إلا استجيب له فإن رأى الملك أن يأمرني فأحرق نفسي وأدعو ربي أن يحولني بوماً فأكون أشد عداوة وأقوى بأساً عل الغربان لعلي أنتقم منهن! قال الوزير الذي أشار بقتله: ما أشبهك في خير ما تظهر وشر ما تخفي إلا بالخمرة الطيبة الطعم والريح المنقع فيها السم أرأيت لو أحرقنا جسمك بالنار كان جوهرك وطباعك متغيرة! أليست أخلاقك تدور معك حيثما درت، وتصير بعد ذلك إلى أصلك وطويتك؟ كالفأرة التي خيرت في الأزواج بين الشمس والريح والسحاب والجبل فلم يقع اختيارها إلا على الجرذ وقيل له: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أنه كان ناسكاً مستجاب الدعوة فبينما هو ذات يوم جالساً على ساحل البحر إذ مرت به حدأة في رجلها درص فأرة فوقعت منها عند الناسك، وأدركته لها رحمة، فأخذها ولفها في ورقة، وذهب بها إلى منزله، ثم خاف أن تشق على أهله تربيتها فدعا ربه أن يحولها جارية: فتحولت جارية حسناء فانطلق بها إلى امرأته، فقال لها هذه ابنتي فاصنعي معها صنيعك بولدي. فلما كبرت قال لها الناسك: يا بنية أختاري من أحببت حتى أزوجك به. فقالت، أما إذا خيرتني فإني أختار زوجاً يكون أقوى الأشياء. فقال الناسك لعلك تريدين الشمس! ثم انطلق إلى الشمس فقال: أيها الخلق العظيم إن لي جارية وقد طلبت زوجاً يكون أقوى الأشياء، فهل أنت متزوجها؟ فقالت الشمس أنا أدلك على من هو أقوى مني: السحاب الذي يغطيني، ويرد حر شعاعي ويكسف أشعة أنواري. فذهب الناسك إلى السحاب فقال له ما قال للشمس، فقال السحاب: وأنا أدلك على من هو أقوى مني: فاذهب إلى الريح التي تقبل بي وتدبر وتذهب بي شرقاً وغرباً فجاء الناسك إلى الريح فقال لها كقوله للسحاب فقالت: وأنا أدلك على من هو أقوى مني وهو الجبل الذي لا أقدر على تحريكه فمضى إلى الجبل وقال له القول المذكور فأجابه الجبل وقال له: أنا أدلك على من هو أقوى مني: الجرذ الذي لا أستطيع الامتناع منه إذا ثقبني واتخذني مسكناً. فانطلق الناسك إلى الجرذ فقال له: هل أنت متزوج هذه الجارية؟ فقال وكيف أتزوجها وجحري ضيق؟ إنما يتزوج الجرذ الفأرة فدعا الناسك ربه أن يحولها فأرة كما كانت وذلك برضى الجارية، فأعادها الله إلى عنصرها الأول فانطلقت مع الجرذ فهذا مثلك أيها المخادع فلم يلتفت ملك البوم إلى ذلك القول، ورفق بالغراب ولم يزدد له إلا إكراماً حتى إذا طاب عيشه ونبت ريشه واطلع على ما أراد أن يطلع عليه راغ روغة. فأتى أصحابه بما رأى وسمع فقال للملك: إني قد فرغت مما كنت أريد ولم يبقى إلا أن تسمع وتطيع، فقال له: أنا والجند تحت أمرك، فاحتكم كيف شئت.قال الغراب: إن البوم بمكان كذا في جبل كثير الحطب وفي ذلك الموضع قطيع من الغنم مع رجل راع، ونحن مصيبون هناك ناراً، ونلقيها في أنقاب البوم ونقذف عليها من يابس الحطب ونتراوح عليها ضرباً بأجنحتنا حتى تضرم النار في الحطب: فمن خرج منهن احترق ومن لم يخرج مات بالدخان موضعه ففعل الغربان ذلك: فأهلكنّ البوم قاطبةً ورجعن إلى منازلهن سالمات آمنات.ثم إن ملك الغربان قال لذلك الغراب: كيف صبرت على صحبة البوم ولا صبر للأخيار على صحبة الأشرار؟ فقال الغراب: إنما ما قلته أيها الملك لكذلك لكن العاقل إذا أتاه الأمر الفظيع العظيم الذي يخاف من عدم تحمله الجائحة على نفسه وقومه لم يجزع من شدة الصبر عليه، لما يرجو من أن يعقبه صبره حسن العاقبة زكثير الخير فلم يجد لذلك ألماً، ولم تكره نفسه الخضوع لمن هو دونه حتى يبلغ حاجته فيغتبط بخاتمة أمره وعاقبة صبره. فقال الملك: أخبرني عن عقول البوم: فقال الغراب: لم أجد فيهن عاقلاً إلا الذي كان يحثهن على قتلي، وكان حرضهن على ذلك مراراً فكن أضعف شيء رأياً! فلم ينظرن في رأيه ويذكرن أني قد كنت ذا منزلة في الغربان، وأني أعد من ذوي الرأي ولم يتخوفن مكري وحيلتي ولا قبلنّ من الناصح الشفيق ولا أخفين دوني أسرارهن وقد قال العلماء: ينبغي للملك أن يحصن أموره من أهل النميمة ولا يطلع أحداً منهم على مواضع سره فقال الملك: ما أهلك البوم في نفسي إلا الغي، وضعف رأي الملك وموافقته وزراء السوء فقال الغراب: صدقت أيها الملك، إنه قلما ظفر أحد بغنىً ولم يطع، وقلّ من أكثر من الطعام إلا مرض. وقلّ من وثق بوزراء السوء وسلم من أن يقع في المهالك وكان يقال: لا يطمعنّ ذو الكبر في حسن الثناء، ولا الخبُّ في كثرة الصديق، ولا السّيّ الأدب في الشرف، ولا الشحيح في البرّ، ولا الحريص في قلة الذنوب ولا الملك المحتال، المتهاون بالأمور، الضعيف الوزراء في ثبات ملكه، وصلاح رعيّته قال الملك: لقد احتملت مشقّة شديدة في تصنعك للبوم، وتضرعك لهنّ قال الغراب: إنه من احتمل مشقة يرجو نفعها، ونحى عن نفسه الأنفة والحمية، ووطنها على الصبر حمد غب رأيه، كما صبر الأسود على حمل ملك الضفادع على ظهره، وشبع بذلك وعاش قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال الغراب: زعموا أن أسود من الحيات كبر، وضعف بصره وذهبت قوته: فلم يستطع صيداً ولم يقدر على طعام وأنه انساب يتلمس شيئاً يعيش به، حتى انتهى إلى عين كثيرة الضفادع، قد كان يأتيها قبل ذلك، فيصيب من ضفاضعها رزقه فرمى نفسه قريباً منهنّ مظهراً للكآبة والحزن فقال له ضفدع: ما لي أراك أيها الأسود كئيباً حزيناً؟ قال: ومن أحرى بطول الحزن مني! وإنما كان أكثر معيشتي مما كنت أصيب من الضفادع فابتليت ببلاء وحرمت على الضفادع من أجله، حتى إني إذا التقيت ببعضها لا أقدر على إمساكه. فانطلق الضفدع إلى ملك الضفادع، فبشره بما سمع من الأسود فقال له: كيف كان أمرك؟ قال سعيت منذ أيام في طلب ضفدع وذلك عند المساء فاضطررته إلى بيت ناسك، ودخلت في أثره في ظلمة وفي البيت ابن الناسك، فأصبت إصبعه، فظننت أنها الضفدع، فلدغته فمات فخرجت هارباً، فتبعني الناسك في أثري، ودعا عليّ ولعنني وقال: كما قتلت ابني البريء ظلماً وتعدياً، أدعو عليك أن تذل وتصير مركباً لملك الضفادع، فلا تستطيع أخذها، ولا أكل شيء منها، إلا ما يتصدق به عليك ملكها فأتيت إليك لتركبني مقراً بذلك راضياً به فرغب ملك الضفادع بركوب الأسود، وظن أن ذلك فخراً له وشرف ورفعة فركب و استطاب له ذلك.فقال له الأسود: قد علمت أيها الملك أني محروم فاجعل لي رزقاً أعيش به فقال ملك الضفادع: لعمري لابد من رزق يقوم بك، إذا كنت مركبي فأمر له بضفدعين يؤخذان في كل يوم ويدفعان إليه فعاش بذلك، ولم يضره خضوعه للعدو الذليل، بل انتفع بذلك وصار له رزقاً ومعيشة وكذلك كان صبري على ما صبرت عليه، التماساً لهذا النفع العظيم الذي اجتمع لنا فيه الأمن الظفر، وهلاك العدو والراحة منه ووجدت صرعة اللين والرفق أسرع وأشد استئصالاً للعدو من صرعة المكابرة: فإن النار لا تزيد بحدتها وحرها إذا أصابت الشجرة على أن تحرق ما فوق الأرض منها والماء ببرده ولينه يستأصل ما تحت الأرض منها ويقال أربعة أشياء لا يستقل قليلها: النار والمرض والعدو والدين. قال الغراب: وكل ذلك من رأى الملك وأدبه وسعادة جدّه وإنه كان يقال: إذا طلب اثنان أمراً ظفر به منها أفضلهما مروءة فإن اعتدلا في المروءة فأشدهما عزماً. فإن استويا في العزم فأسعدهما جداً وكان يقال: من حارب الملك الحازم الأريب المتضرع الذي لا تبطره السراء ولا تدهشه الضراء كان هو داعي الحتف إلى نفسه، ولا سيما إذا كان مثلك أيها الملك العالم بفروض الأعمال، ومواضع الشدة واللين، والغضب والرضا والمعاجلة والأناة الناظر في أمر يومه وغده، وعواقب أعماله قال الملك للغراب: بل برأيك وعقلك ونصيحتك ويمن طالعك كان ذلك، فإن رأى الرجل الواحد، العاقل الحازم أبلغ في هلاك العدو من الجنود الكثيرة، من ذوي البأس والنجدة، والعدد والعدة. وإن من عجيب أمرك عندي طول لبثك بين ظهراني البوم تسمع الكلام الغليظ، ثم لم تسقط بينهن بكلمة! قال الغراب: لم أزل متمسكاً بأدبك أيها الملك: أصحب البعيد والقريب، بالرفق واللين، والمبالغة والمواتاة. قال الملك: أصبحت وقد وجدتك صاحب العمل، ووجدت غيرك من الوزراء أصحاب أقاويل: ليس لها عاقبة حميدة فقد منّ الله علينا بك منّة عظيمة لم نكن قبلها نجد لذة الطعام والشراب، ولا النوم ولا القرار وكان يقال: لا يجد المريض لذة الطعام والنوم حتى يبرأ، ولا الرجل الشره الذي قد أطعمه سلطانه في مال وعمل في يده، حتى ينجزه له، ولا الرجل الذي قد ألح عليه عدوه، وهو يخافه صباحاً ومساءً حتى يستريح منه قلبه ومن وضع الحمل الثقيل عن يديه أراح نفسه ومن أمن عدوه ثلج صدره.قال الغراب: أسأل الله الذي أهلك عدوك أن يمتعك بسلطانك، وأن يجعل في ذلك صلاح رعيتك، ويشركهم في قرة العين بملكك! فإن الملك إذا لم يكن في ملكه قرة عيون رعيته، فمثله مثل زنمة العنز التي يمصها، وهو يحسبها حلمة الضرع، فلا يصادف فيها خيراً. قال الملك: أيها الوزير الصالح، كيف كانت سيرة البوم وملكها في حروبها، وفيما كانت فيه من أمورها؟ قال الغراب: كانت سيرته سيرة بطر، وأشر وخيلاء وعجز وفخر مع ما فيه من الصفات الذميمة وكل أصحابه ووزرائه شيبه به، إلا الوزير الذي كان يشير عليه بقتلي: فإنه كان حكيماً أريباً، فيلسوفاً حازماً عالماً، قلما يرى مثله في علو الهمة، وكمال العقل، وجودة الرأي قال الملك: وأي خصلة رأيت منه كانت أدل على عقله؟ قال خلتان: إحداهما رأيه في قتلي والأخرى أنه لم يكتم صاحبه نصيحته وإن استقلها ولم يكن كلامه كلام عنف وقسوة ولكنه كلام رفق ولين حتى إنه ربما أخبره ببعض عيوبه ولا يصرح بحقيقة الحال بل يضرب له الأمثال ويدثه بعيب غيره فيعرف عيبه فلا يجد ملكه إلى الغضب عليه سبيلاً وكان مما سمعته يقول لملكه: إنه لا ينبغي للملك أن يغفل عن أمره فإنه أمر جسيم لا يظفر به من الناس إلا قليل ولا يدرك إلا بالحزم فإن الملك عزيز فمن ظفر به فليحسن حفظه وتحصينه، فإنه قد قيل إنه في قلة بقاءه بمنزلة قلة بقاء الظل عن ورق النيلوفر وهو في خفة زواله، وسرعة إقباله وإدباره كالريح وفي قلة ثباته كاللبيب مع اللئام، وفي سرعة اضمحلاله كحباب الماء من وقع المطر. فهذا مثل أهل العداوة الذين لا ينبغي أن يغتر بهم، وإن هم أظهروا تودداً وتضرعاً.
_________________________ من "كليلة ودمنة"

Thursday, August 04, 2005

أحمد رامي و ترجمته لرباعيات الخيام

انتشرت رباعايات الخيام كأشهر أغاني ام كلثوم .. و بصراحة الكل يستشهد بحكم عمر الخيام على لسان أم كلثوم ! و لكن ما مدى جودة الترجمة ؟ لماذا يثق الناس بأحمد رامي كمترجم كونه شاعر جيد لا يعني أنه مترجم جيد أيضاً !
القارئ لترجمة أحمد رامي لرباعيات عمر الخيام يكتشف أن الشاعر للأسف لم يلتزم بأصول الترجمة الادبية الصحيحة . فهو في البداية لا يعرف عن عمر الخيام الكثير أو عن تاريخ الادب الفارسي .. و لو كان يعرف لكانت مصيبة ! فهو بهذا عالم متجاهل !
أعظم مصيبة أدبية و للأسف هي منتشرة بين بعض المترجمين و نقاد عمر الخيام ... هي فكرة أن عمر الخيام كان يشرب الخمرة ! و هذه من الأكاذيب السخيفة التي لا تعدو سوى جهلاً بالادب الفارسي و أصوله و هذا ما ذكره أحمد رامي في ترجمته للرباعيات بان عمر الخيام كان يشرب الخمرة لأنها تسمو بروحه فوق الأحزان و الهموم .
و نرد على هذه الشبهة بالتالي :أولاً يا عزيزي يا أحمد رامي من المفروض أن شاعراً كبيراً مثل أحمد رامي أن يعرف أصول الأدب الفارسي الكبير و الذي كان له كبير الأثر على الادب العربي في العصر العباسي خاصة من ناحية التصاوير و التشابيه الجميلة و هي من خصائص الشعر العربي في الفترات اللاحقة و عصور الانحطاط بينما كان الشعر العربي في الماضي يرسم صوراً بسيطة و غير معقدة نجد أن الشعر العربي في المراحل المتأخرة بعد تأثره بالادب الفارسي و دخول الفرس في وسط الثقافة العربية في العصر العباسي قد تحسنت بذلك التصاوير حتى نجد أبياتاً كاملة في تشبيه و صورة واحدة و ليست مجرد تشابيه بسيطة في كلمة أو كلمتين .الأدب الفارسي الصوفي اتخذ الخمر رمزاً للعشق الإلهي , السكران هو العابد الزاهد الذي في الحقيقة يبدو شكلاً كالسكران من شدة التعب و العبادة المتواصلة .و الساقي هو الذي يعطي الخمرة و يدخل الفرحة على قلوب المساكين العشاق والعباد و الساقي عادة يرمز إلى الله عز و جل
إلى أن أحمد رامي تجاهل هذه الصور و هي منتشرة بكثرة في الأدب الفارسي و معروفة و أصبحت جزءً لا يتجزء من التشابيه المعروفة لدى الايرانيين و دليل ذلك أن كبار الفقهاء و رجال الدين الشيعة و السنة في إيران الذين يكتبون الشعر كهواية يستخدمون هذه التصاوير .بابا طاهر و حافظ الشيرازي و جلال الدين الرومي و غيرهم كلهم استخدموا هذه الصور و التشابيه .. إلا أن أحمد رامي بكل رومانسية تصور نفسه عمر الخيام و فسر شعر الخيام حسب هواه متجاهلاً تاريخاً كبيراً للشعر الفارسي .و من كبار الشعراء الذين ينتقدونه و ينتقدون ترجمته البدائية هم محمد عبدالغفار الهاشمي مدرس الفارسية في الأزهر الشريف في الستينات . و فيها انتقد أحمد رامي في أشارة إلى كلام أحمد رامي حول عمر الخيام كونه يشرب الخمر لتسمى روحه , قائلاً :إن رامي قد تحدث عن نفسه بدلاً من حديثه عن الخيام . لقد هام بحب الخمر و النساء و نظر في مرآة الخيام إلى نفسه هو فخدعته نظرته و نسى الخيام و اجاد التعبير عما يختلج في صدره هو
و نستدل بدليل آخر على كون الخيام لا يشرب الخمرالخيام فقيه من كبار فقهاء زمانه و قد كتب رسائل متعددة في الفقه و الشريعة و الفلك و الفلسفة و تذكر المصادر بعض رسائله في الفقه و الشريعة و منها رسالة في حكمة رب العالمين في خلق الكون و فيها يشرح فوائد العبادات و الفرائض و اتباع الفرائض !هل من المعقول أن أكبر فقهاء زمانه يشرب الخمر ؟الواقع يقول العكس و هو أن الخمر كما ذكرنا سابقاً و ذكرها كبار المترجمين المتبحرين في أصول الأدب الفارسي بأن الخمر في شعر عمر الخيام هي خمرة العشق الألهي . و القارئ لشعره يجد أن عمر الخيام لم يصف الخمر وصفاً دقيقاً أبداً بل كان دائماً يصف الخمر كتأثير و هذا هو الهدف و المغزى من التشبيه , هي حالة السكر التي يدخل فيها العاشق .

الكاتب الإيراني يوسف عزيزي:60% من اللغة الفارسية مفردات عربية

العرب سبقوا الفرس في كتابة القصة و الرواية
حوار
يوسف عزيزي،كاتب و صحفي ايراني، من مواليد 1951، ولد في مدينة الاهواز التي تسكنها غالبية عربية،( تقع في جنوبي ايران ). و هو اليوم مقيم في طهران. امتهن الصحافة، و احترف كتابة القصة باللغة العربية،و باللغة الفارسية أيضا، وله بحوث اجتماعية و ادبية عدة حول الشأن الايراني، بالاضافة إلى كتاباته في الشأن السياسي.
ترجم لكبار الادباء العرب، مثل نجيب محفوظ ومحمود درويش و الطاهر بن جلون،
و ادونيس و حنامينة، ناقلا نماذج عن الرواية العربية، وعن الشعر العربي الحديث ونماذج عن الفكر العربي الحديث ايضا، إلى اللغة الفارسية،عن طريق ترجمته لأعمال محمد عابد الجابري وهشام جعيط وغيرهما، بغية تعريف الكاتب العربي إلى المتلقي الايراني. كما و ترجم بالمقابل أعمالا من الادب الايراني إلى اللغة العربية، و نشرها في بعض الصحف العربية.
ابان زيارته إلى بيروت، اغتنمنا فرصة وجود يوسف عزيزي في لبنان، وأجرينا معه حوارا حول الثقافة الايرانية المعاصرة ،وحول الاشكالات التي تحول دون انفتاح الثقافتين العربية والايرانية المعاصرتين على بعضهما بعضا، بدء بالسؤال الآتي:

_هل تعكس علاقتك باللغة العربية ، بيئة ايرانية معينة ، أم ان لها مصدرا واحدا متأتيا من القران الكريم؟
* لاشك في ان اللغة العربية هي لغتي الأم... ففي محافظة الاهواز(خوزستان) هناك حوالي ثلاثة ملايين و نصف مليون عربي يعيشون بصفة عرب ايرانيين، و أنا منهم، فلقد ترعرعت في بيئة عربية ايرانية، و أصبحت أملك الثقافتين، نهلت من الثقافة العربية بلغتها و آثارها وأحداثها. وتابعت الشأن الايراني باللغة الفارسية، على جميع الصعد الادبية و التراثية و الحضارية و السياسية.

_ ماذا عن التأثير الذي تركته الثقافة العربية، بالمنظور التاريخي، على الثقافة الايرانية؟
* لقد أثرت الثقافة العربية في الثقافة الفارسية، عبر العصور، وكان للادب العربي تحديدا، تأثير مهم في الادب الفارسي كما وكان للغة العربية أيضا، دور في إغناء اللغة الفارسية بالمفردات المتعددة. فهناك نحو 60% من اللغة الفارسية مفردات عربية، أو عربية الجذور. و يمكن القول أن تأثير اللغة العربية في اللغة الفارسية، يشبه تأثير اللغة الرومانية في اللغة اللاتينية.
و كوني باحثا في الادب الفارسي، وفي الادب العربي، باستطاعتي القول ان الادب الفارسي لم يكن له وجود بارز قبل الاسلام، وقد أصبح له هذا الوجود، وهذا البروز بعد الاسلام، فنتيجة لتمازج الثقافتين الفارسية و العربية، الذي انتج عندنا شعراء
و مفكرين وأدباء كبارا، مثل حافظ الشيرازي و سعدي الشيرازي و ناصر خسرو البلخي وفي مجال الفلسفة الملا صدرا وابن سيناو الفارابي و الغزالي. وكلنا يعلم ان شاعرا مثل حافظ الشيرازي وهو من اعظم شعراء الفرس والعالم، كان يعرف و يقرأ ويستوعب الشعر الجاهلي، وشعر العصر العباسي و الأموي، وكان يعرف القران وحافظا لآياته. وقد كتب قصائد عربية أيضا، وحذا حذوه في ذلك سعدي وناصر خسرووالبلخي. ومن المعروف ان سعدي الشيرازي زار الدول العربية في القرن السابع الهجري، منها لبنان وسوريا والحجازو العراق ، وله في هذا الرحلات كتابات مهمة.

_ جيل المثقفين العرب الجدد، قدلايكون لديهم فكرة وافية عن الادب الايراني المعاصر، فقد توقفت معرفتهم منذ عصر الشيرازي ربما اونحو ذلك. هل لك ان تعطينا صورة مقربة عن النتاج الادبي المعاصر في ايران؟
* قبل ان ارد على هذا السؤال، أقول ان هناك ادبا ايرانيا معاصرا، يشتمل على الادب الفارسي الذي هو الادب الرسمي، وادب القومية الكبرى في ايران، ويشتمل أيضا على قوميات اخرى ايرانية، كالعرب و الاتراك الآذريين والأكراد و التركمان والبلوش، ولكن، بما ان اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية، وهي اللغة المتاحة لها كل الامكانات، فقد حدثت اولى التحولات بالادب، في اللغة الفارسية.
وعلى غرار ،اللغة العربية، والادب العربي، فقد اصاب اللغة الفارسية و الادب الفارسي، انحطاط منذ ستة قرون، ولغاية مطلع القرن العشرين.

_ هل ترى ان اسباب هذا الانحطاط لدى العرب و الايران ،كانت اسبابا موحدة ؟
*لاشك ان الاسباب ذاتها كانت وراء انحطاط هذين الادبين، فالانحطاط شمل العالم الاسلامي بشكل عام. والامبراطورية الفارسية و العرب ، هم جزء من العالم الاسلامي، لهذا اصابهم الانحطاط ولاننسى آثار الحكم العثماني على المنطقة العربية التي ادخلتها في ركود حضاري بارز. وعلى الرغم من ان الايرانيين لم يستعمروا من قبل شعوب اخري، الا ان الانحطاط اصابهم طوال تلك القرون، ثم من بدايات القرن العشرين بدأوا ينشطون و ينهضون، خصوصا مع وصول عواصف الادب الغربي إلى المنطقة، حيث نتج من ذلك تواصل وتفاعل حيوي مع الادب الغربي. وقد شعر الايرانيون بعد نكستهم جراء الحرب مع الروس في اوائل القرن التاسع عشر انهم متأخرون عن العالم، كما شعر بذلك المصريون قبلهم بعقود، عند هجوم نابليون على مصر. لذلك تشكلت نقاط انعطاف متلاحقة، لليقظة و الوعي، فبدأت بعض البلدان العربية، وأبرزها مصر، كما وبدأت ايران في اختبار يقظة سياسية واجتماعية وأدبية وثقافية، حيث تأثر الادب الايراني بالشعر الفرنسي الحديث، وبالشعر الانكليزي، خصوصا شعر ت.س.اليوت . وشهد هذا الادب تحولا في الشعر من خلال كسر الاوزان، ويمكن القول ان الايرانيين سبقوا بأعوام بدر شاكرالسياب في كتابة الشعرالحديث، وكسر الاوزان، عن طريق الشاعر الايراني " نيمايوشيج" الذي ابدع في الشعر الفارسي الحديث، وأسس لمدرسة الشعر الفارسي الحديث، وهو نظير لبدرشاكرالسياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور مثلا في الشعر العربي الحديث.
ولكن، لاشك في ان العرب، قد سبقوا الفرس في كتابة الرواية. فأول رواية كانت رواية "زينب" لمحمد حسنين هيكل الذي كتبها في العام 1913. وكانت ذات مواصفات فنية مستوفية الاركان بصورة اشمل. علما ان ثمة تجارب او محاولات باللغة العربية، بذلها المويلحي واليازجي في مقاربة الفن الروائي. اما على صعيد الادب الايراني، فقد كتب الاديب صادق هدايت، بعد عشرين سنة من صدور رواية " زينب " لهيكل، اول رواية ايرانية ذات مواصفات فنية عنوانها " البومة العمياء " العام 1933، وذات تأثر واضح بالرواية الغربية. بعد ذلك، برزالكاتب جمال زاده في تأليف اول قصة قصيرة باللغة الفارسية، في مطلع القرن العشرين، تلاها محاولات عدة لكتاب عديدين. ولكن، يمكن القول، ان الرواية العربية اليوم، خطت خطوات اكبر من الرواية الفارسية، على يد نجيب محفوظ وجمال الغيطاني واميل حبيبي وعبدالرحمن منيف وغيرهم. ثم ان الرواية لم تنحصر في مصر ولبنان، بل باتت الان تكتب في الخليج والمغرب والسودان. فيما ظلت الرواية الفارسية محدودة الانتشار نظرا لمحدودية اللغة الفارسية، واعتبارها وقفا على ايران فقط، مع بعض القراء في افغانستان وطاجيكستان. لذلك، تقدمت الرواية العربية على صعيد الترويج اللغوي والفني والعالمي، وتميزت عن الرواية الايرانية … ولكن ،تجدر الاشارة، إلى ان السينما الايرانية هي اكثر تقدما اليوم من السينما العربية.

_ وماذا عن الشعر تحديدا، هل ثمة شعراء معاصرون في ايران تقدموا على الشعراء العرب المعاصرين؟
* عندنا شعراء لابأس بهم. مثل احمد شاملو الذي توفي منذ عامين، ومثل شفيعي كدكني الذي يتقن اللغة العربية، وغيرهما. ولكن برأيي ان شعر ادونيس مقروء اكثر على الصعيد العالمي، من شعر احمد شاملو الذي يعتبر اعظم شاعر ايراني معاصر. ولذلك اسبابه بالطبع ،لأن العرب لديهم قنوات اتصالية اوسع في العالم، ومن بينها الانتشار المشهود للغة العربية، مقارنة مع انحسار اللغة الفارسية في بقعة جغرافية معينة. فاللغة الفارسية كانت عالمية في عهد الشيرازي والبلخي، اما اليوم فقد اصبحت قطرية.

_ هل ثمة محاولات شبابية في ايران، لتأصيل انواع الادب الحديث؟
* نرى الاجيال الجديدة ، تحاول ان تؤصل في الرواية والشعر … كما فعل ذلك الروائي جمال الغيطاني على مستوى الرواية العربية الحديثة، وكما حاول ذلك اميل حبيبي ايضا. ولكن، مع الاسف، لم نشهد مثل هذه التجارب في اللغة الفارسية، ولطالما حثثت زملائي الكتاب الايرانيين متسائلا: لماذا لاتحاولون تأصيل الرواية في ايران؟ ولطالما نقدت أعمالهم، وطالبت العديد منهم ان يدخلوا في هذه التجربة، وبالاخص الروائي الكبير الموجود بيننا اليوم محمود دولت آبادي، علما ان كتابا عربا يكتبون بلغة المنفى ( اي بلغة اجنبية ) رواياتهم، استطاعوا ان يقدموا رواية عالمية. وان يحصدوا جوائز كبرى ، مثل الطاهر بن جلون وغيره.

_ ما هو المدى الانتشاري للغة العربية في فنون الكتابة، في ايران؟ هل يمكن القول انه واسع قياسا إلى العقود الاخيرة من القرن العشرين؟
* اللغة العربية لاتلعب دورا بارزا في ايران، ولاتجد لها مكانة في فن الكتابة، الا بين عرب الاهواز. وعرب الاهواز ولاسباب عدة، لم يعترف لغاية اليوم بلغتهم…حيث لم تكن عندهم صحافة ولا عمليات نشر…ولكن في السنين القليلة الاخيرة، وفي عهد الرئيس محمد خاتمي بالذات، جرى منح بعض الحريات لإصدار صحف باللغة العربية في اهواز، ودواوين الشعر وحتى القصة الحديثة. الا ان هذه الاعمال الادبية تعتبر متأخرة عن الاعمال المنشورة باللغة الفارسية. وذلك بسبب الكبت الذي عانته اللغة العربية و العرب في ايران، خصوصا في العهود السابقة، وتحديدا عهد الشاه، نظرا لسياساته المعادية للغة العربية.

_ ماذا عن دور الترجمة في هذا السياق، ونقل اعمال ابداعية بارزة من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية ؟
* الترجمة في هذا الاطار، بدأت منذ زمن بعيد، في صدر الاسلام، واول مترجم في هذا المقام، كان سلمان الفارسي الذي حاول ان يترجم القران. اما في العصور الحديثة، فأول ترجمة كانت لكتاب " طبائع الاستبداد " للكواكبي. وقد أثر هذا الكتاب في المنظرين للثورة الدستورية في ايران. ثم كرت سلسلة الترجمات، فجرى نقل كتب طه حسين إلى الفارسية، ونجيب محفوظ ( وقد كان لي دور في ترجمة بعض أعماله وتعريفها إلى القارئ الايراني)، كما وجرى ترجمة الشعر الفلسطيني، وخصوصا شعر محمود درويش، وترجمة شعر ادونيس أيضا.

_ تقف ايران اليوم، مع الدول العربية والدول الاسلامية في موقف واحد مهدد من قبل الولايات المتحدة الاميركية، تحت ذريعة ربط المقاومة بالارهاب، وربط الارهاب بالاسلام ... كيف تنظر إلى هذا الخطر الذي يحاول اختراق الهوية الاسلامية من خلال تزوير الحقائق وتحريف المفاهيم المثلى؟
* للحقيقة،أرى ان هذه التحديات الكبرى، لاتأتي كلها من الخارج، وإنما من الداخل أيضا. لاشك في أننا نواجه تحديا حضاريا من قبل الثقافة الغربية، أو الاحرى من قبل النظام العالمي المهيمن،والذي له اطماع في المنطقة. ولكن الاستبداد المتأصل في عالمنا العربي والاسلامي لايقل خطرا عن اطماع النظام العالمي المعاصر، من هنا فإن هذين التحديين مترابطتان نوعا ما، وعلينا ان نحمي وجودنا منهما، وان نعمل على الخلاص من الديكتاتوريات وان نمارس الحريات. نحن في "اتحاد الكتاب الايرانيين"، وأنا عضو فيه، نطالب بزوال الرقابة عن الكتب، وبحرية التعبير. وقد قدمنا شهداء في سبيل هذه المطالب... فقد قتل زملاء لنا منذ خمسة أعوام، وهم بالمناسبة، لم يكونوا في حالة معارضة للاسلام، بل كانوا يعارضون الرقابة المقيدة للحرية، ويمكن القول في هذا المجال ان " اتحاد الكتاب الايرانيين " هو من اكثر الاتحادات في الدول العربية والاسلامية استقلالا. فهو لاينتمي إلى الحكومة والسلطة، ولاينتمي إلى المعارضة، وهو مؤسسة مدنية، غير مرتهنة لأحد، وغير مرتبطة بجهة.

_ بالعودة إلى تعزيز التواصل الثقافي بين ايران والدول العربية، هل أنت مع تعزيز آلية الترجمة وتفعيلها للاطلاع على النتاج العربي الادبي من قبل الايرانيين، وللاطلاع علي انتاج الادبي الايراني من قبل العرب؟
* مع الاسف، منذ قرن ونصف أو قرنين، يمكن القول ان العالم العربي قد انفصل عن العالم الايراني . لماذا؟ لأن ثمة حواجز باسم الحدود نشأت بينهما...حدود سياسية وأسلاك مكهربة ... وموانع كثيرة... نذكر ان سعدي الشيرازي عندما كان يسافر من شيراز الى الحجازو الى الشام، ويكتب عن حياة هذه البلاد، لم يطلب اي بلد منه اي جواز مرور. اما اليوم، فهناك حدود حديد... ليست فقط جغرافية ومادية فقط، وإنما حدود ادبية ونفسية. فالايرانيون والعرب أصبح مرجعهم الغرب، حتى في الصحافة والادب . وهذه مشكلة عويصة يجب ان تحل يوما ما، فإذا لم تحل، لن يكون هناك اي تقارب حقيقي على مستوى الحضارة و الفكر. لذا، فعلى الكتاب والمفكرين والمثقفين العرب والايرانيين ان يسعوا الى حل هذه الاشكالية من خلال دور الترجمة، والعمل على تنشئة اجيال من المترجمين من غير الحكوميين ... بغية تشكيل همزة وصل معرفية وحضارية وتبادلية بين الثقافة العربية و الثقافة الإيرانية.


حوار: غادة علي كلش
(نقلا عن صحيفة الكفاح العربي اليومية اللبنانية الصادرة بتاريخ 16/12/2003 )

Wednesday, August 03, 2005

وقع خطى أقدام الماء وقصائد أخرى - سهراب سبهري - ترجمة: محمد الأمين

يعتبر الشاعر والفنان التشكيلي سهراب سبهري (1928-1980) من أشهر الشعراء الإيرانيين المعاصرين. فبالرغم من النقد اللاذع الذي تعرض له طوال حياته من قبل الوسط النقدي وأشهر مجايليه بسبب خلو منجزه الشعر من صدى الواقع الاجتماعي الذي أعتبره شعراء الحداثة الإيرانية منذ نيما يوشيج الرائد إلى نهاية ثمانينات القرن الماضي ركيزة أساسية في الشعرية الحديثة إلا أن مجاميعه الشعرية حققت في السنوات العشرين الأخيرة أعلى مبيعات دور النشر الإيرانية كما اعترف العديد من الشعراء المعاصرين بتأثيراته العميقة على منجزهم الشعري. وتوالت الأبحاث والدراسات الجامعية. تمتاز تجربة سبهري بانبثاقها من منظومة فكرية متماسكة قلما شهدتها الشعرية الفارسية منذ أفول المدرسة العشق الذي يشكل وازعا رئيسا لأصل الإرادة. في العرفان الإسلامي. وعبر لغة لم يكن لها أن تشق طريقها إلى الذائقة العامة لولا اتسامها بشفافية جد عالية وكأنها مجتزة من حنجرة الطبيعة. آخى العزلة وناصر الطبيعة وكافح ضد التمايز بين الكائنات:"أنا لا أعرف لماذا يقولون أن الحصان حيوان عفيف؟إن الحمامة جميلة؟ لماذا لا يوجد نسر في قفص أحد؟"إلى أن هرمت يداه ظل سبهري أنيس النيلوفر، يحاول جادا العثور على الفرصة الخضراء التي تُوهت وظل يستدرج الأنانية عسى أن يفتت سلاسلها باعتبارها استلاب خفي لحرية الإنسان.قصائد سبهري تأملات في حضرة الطبيعة (ينبغي غسل الأعين وتغيير النظرة) كي تعاود الروح حضورها المتوهج وتكتسح العتمة التي داهمتها على حين غرة. حتى وفاته فيها بقى سبهري وفيا لمدينته كاشان رغم تجواله في العالم شرقاً وغرباً، في مسقط رأسه كان جل تعلله أن يرافق عزلته خارج كاشان وجغرافيتها:"من أهل كاشان أنا لكن كاشان ليست مدينتيمدينتي ضاعتوأنا بالحمى شيدت مدينة في ضفة أخرى من الليل"القصائد المترجمة هنا منتقاة من أعماله الشعرية الكاملة التي تحمل عنوان الأسفار الثمانية والتي تشتمل على المجاميع الشعرية التالية: "أنقاض الشمس"، ""موت اللون"، "حجم الأخضر"، "حياة الأحلام"، "شرق الحزن"، "عدم مطلق، رؤية مطلقة".إضافة إلى ملحمتيه الشعريتين: "وقع خطى أقدام الماء" و"مسافر".... المتبقي

الشعر الفارسي الحديث بشقيه الإيراني والأفغاني - ترجمة وتقديم: محمد الأمين

انبثقت بوادر التجديد في الشعر الفارسي في مستهل القرن الفائت بعد جملة من التغييرات الجذرية التي طرأت على الحركة الثقافية الايرانية في مجالي المسرح والرواية تحديدا، ففي المسرح تم اخراج العديد من المسرحيات العالمية الشهيرة ذات المضامين الاجتماعية والفكرية، فيما ساهمت ترجمة روائع الروايات الفرنسية والانكليزية والروسية بضخ روح جديدة في النثر الفارسي مما جعلت ينفتح على قاموس الحياة اليومية، كما لعبت الصحافة دورا بالغ الاثر في تشذيب اللغة الفارسية من عبء الكليشيهات التي طغت على الأدب الفارسي منذ أفول المدرسة الاصفهانية في نهايات القرن السابع عشر ميلادي. فكانت النقلة النوعية الأولى في مضامين الشعر الفارسي على يد مجموعة من الشعراء الصحفيين؛ شعراء انتموا الى اتجاهات سياسية وتيارات فكرية مختلفة وكان العديد منهم يترأس تحرير الصحف اليومية والاسبوعية كمحمد تقي بهار(1886-1951) صاحب صحيفة "نوبهار" وأبو القاسم لاهوتي محرر صحيفة "بيستون" وكان شاعرا ثوريا أغتيل في شبابه وأديب بيشاوري (1842-1931)وأيرج ميرزا جلال الممالك (1874-1925) وعارف قزويني (1838-1929)وميرزادة عشقي (1893-1924) وهم شعراء إتسمت قصائدهم بالنفس الثوري الرومانسي، أما على صعيد التقنية فلم يساهم هؤلاء الشعراء المنخرطون في النضال السياسي بتقديم رؤية جديدة أو شكل جديد، غير أننا لانستطيع انكار دورهم في وضع حد ونهاية للقصيدة التقليدية وإبداع قصيدة ناضلت معهم من أجل تحقيق مكاسب اجتماعية، وان لم تخل من مسحة الحزن الرومانسي الذي يبلغ أحيانا حد النرجسية، لقد مهّد هؤلاء الشعراء (وشعراء آخرون بادروا بكسر الأوزان الشعرية والتمرد على ثوابت القصيدة الكلاسيكية كتقي رفعت وجعفر خامنئي وشمس كسمائي وأبوالقاسم الهامي) الطريق للثورة التي سيطلقها علي اسفندياري الملّقب بنيما يوشيج (1897-1960) رائد الشعر الفارسي المعاصر بلا منازع. فبعد قراءات معمّقة للشعر الفارسي الكلاسيكي وشعراء المدرسة الخراسانية بشكل خاص، وهي المدرسة المهتمة بتوظيف الأسطورة والنفس الملحمي وأعتماد لغة فخمة، زاوج نيما يوشيج تجربته الشعرية (وبحكم تضلعه باللغة الفرنسية التي درسها في مدرسة سان لوئيس بطهران ) بما نهله من الشعر الفرنسي الرومانسي. ويرى بعض النقاد أن تجربة هذا الشاعر لم يكن ليحالفها النجاح لولا مزاوجته بين الرومانسية الكلاسيكية الفارسية المتمثلة بنتاج "المدرسة العراقية" وعلى رأسها حافظ الشيرازي والرومانسية الكلاسيكية الفرنسية وقد بدأ الشاعر هذه التجربة الثرية مع قصيدته الشهيرة "القصة الشاحبة" إذ قدّم مضامين انسانية لاتخلو من عبق الرومانسية الكلاسيكية الفارسية مطعمة بفضاء الحرية المستمد من التجربة الفرنسية، وقد أشار نيما يوشيج شخصيا في تنظيراته وكتاباته النقدية ان الدخول الى عالم الحداثة لايمكن أن يتم دون المرور بالمرحلة الرومانسية

النزعه الي انتشار الروايه في دارالنشر و قرآء الكتاب

محمدحسن شهسواري قال دار النشر الايراني يرجح انتشار الروايه و لا يريد نشر مجموعه قصص من الكتاب الايرانيين.هذا الكاتب اعد مجموعه قصصه بعنوان الكوب المائي لانتشار، قال حول الانتشار هذه المجموعه: لا اقبال و النزعه في دار النشر في ايران لانتشار مجموعه قصص. هذا حق لهم لان القراء يرجحون ان يقرا الروايه.هو مع تاييد العمل الفايز في الكتاب علي صدد كتابه القصه قصيره، اكد: سنه 80 انفذت دراسه مع طلاب الجامعات، تعدادهم 500 شخص، 69 في المائه منهم يرجح قرائت الروايه.هو انتشر روايه باغرد في سنه ماضيه فی موضوعات الاجتماعي و السياسي. هذا الكاتب الايراني قال: انا في الروايه اكتب بشكل رئال و كلاسيكيه اما زمن الكتابه قصه قصيره، استعمل الفن السرد و الفنون مختص بها.شهسواري انتشر مجموعه قصص كلام و تفاصيل العريف. قال: انا اتوجه في قصه قصيره بالسرد البيان.هذا العضو للجان التحكيم جايزه الكتاب و النقاد الصحافه في صدد الادب القصصي في هذه الايام مشغول بكتابه الروايه في فضاء يدور في روايه باگرد.
هذا الخبر فی وکاله الانباء الطلاب

محمود دولت آبادی:‌ انا بدات فی الادب حربا کی اتمنی افوز منها

محمود دولت آباديمحمود دولت آبادي ولد في عاشر من شهر مرداد الايراني في سنه 1319 في بلده دولت آباد لمدينه سبزوار .
صبابته قضي في ايام الحرب العالمي الثاني و فقرها و اكتئاب مابعد الحرب و سلطه روس علي الايران. كل هذه العوامل و العشق دولت آبادي الي مقوله الادب و الفن، دافعه الي حرب الكتابه، كماكان يقول في كتبه: انا بدات في الادب حربا كي اتمني افوز منه. اتوجه! هذه حربي انا.
دولت آبادي جرب في مشاغل مختلفه منها فلاحه، تربيه المواشي،خادم في صنع الحذاء، العمل مع ابو و اخوه ، تعمير الدراجه و وقت ما بعد انعكس كل ذلك التجارب التي جرب في صباه و مراهقه في كتبه.
جاء من سبزوار الي مشهد و بعد ذلك الي طهران و ابتدا زمن التشريده. في هذه الزمن ايضا دولت آبادي يعمل في مشاغل مختلفه مثل العمل في المطبعه، في حلاقه، في مسلخ، بث الفيلم في السينما، بث الصحيفه الكيهان. اما طهران لدي مراهق في 18 سنه الذي ينام بعض الاوقات في حواشي الشارع غرغان و بعض الزمن علي روف المكان الحفاظه المواشي مسلخ، كله ليس هذا.
طهران طهران السينما. طهران مصير الانسان الواحد. تهران الكتب. تهران الشيخوف. جمع الاصفاهان و في النهايه طهران سنه 1340. في هذه الوقت دولت آبادي عرف المسرح بجد و تعلم 6 شهور نظريا و 6 شهور عمليا في هذه الفرع. في هذه الزمن صار طفل الاول في صف المسرح و بعد ذلك يمثل في مسرحيه ليالي البيضاء لكاتب الروس داستويفسكي و ايضا في مسرحيه القرعه في الموت لكاتب واهه كاشا. تمثيل في مسرحيه اينس مندو، تانيا، مرور علي جسر لكاتب آرثور ميلر.
تمثيل في مسرحيه البلد الذهبي و مونتاج لعباس جوانمرد، قصه طلسم و الحرير و الرجل السماك لعلي حاتمي، ضيافت و الدميه لبهرام بيضايي، ثلاث مسرحيه مندمجه بعنوان الموت في الخريف لكاتب اكبر رادي و كل هذه الآلام لنصرت نويدي. بعد ذلك تمثيل في مسرحيه راشومون كي تعهد اخراجه في وقت لاحق. ايضا بعدها شاركت في نادي المسرح، تمثيل في مسرحيه كارثه صوفي لكاتب آرثور ميلر باخراج ناصر رحماني نجاد، تصاوير من سيمون ماشار لكاتب برتولت برشت لاخراج مشترك من محسن بلغاني و سعيد سلطان بور.
في سنه 1353 مهين اسكويي، مخرج المسرح دعوته كي يتمثل في مسرحيه في الاعماق لكاتب ماكسيم غوركي. دولت آبادي يقول: قررت ذلك المسرح لي آخر عمل في هذه الصدد كي آخر عملي عمل جيد. انا لااعرف شرطه معي في هذه القرار. قرار النادي اجراه في مدينه سوسنگرد الايرانيه، قبل ان اذهب الي هذه المدينه،جاء شرطه و اختتم السباق. تجسس قصيره في واحد او اثنين ساعه، طال سنتين.
خاطب المحقق هذه الرجل بان انت رجل اشتراكي. توقف في هذه الزمن كتابه روايه الكبيره كليدر و هذا احد من الاستنكافاته لان هو يعتقد كتب بشكل جاري و ساري . من سنه 1340 حتي سنه 1353 هو يعمل في المسرح و كتابه القصه. دولت آبادي في سنه 1353 تخلي من المسرح و اذا مهما نشر مسرحيه گگنوس( طائر اسطوري) هو في خسمه عشر حياه مع المسرح المتبقي لديه اشياء كثيره .
ابتداء دولت آبادي العمل الكتابه القصه مع نشر آخر الليل في سنه 1341. بادي من هذه الاثر سلوك فكريه الكلي النظاره و آيات منه، ايضا سيطرته في توصيف المكان و كتابه الحوار. قصصه قصص من مرحله العبور. عبور من المرحله الي مرحله اخري. مرحله صانع الحوادث بشكل التازم. تشرده من بدايه هو من آيات كتاباته، شاخص المرحله المراهقته.
العشق الي ابوه او تصوير ذهني منه، بادي من كل آثاره. صداقته مع صادق هدايت رغم خلاف في نوع التفكراتهم مشهود مثل ما نلاحظ في روايه سلوك.
شاخص اخري في آثاره ، نداه الثمني رغم استنكافه و نظره مره الي الحياه في ذات الوقت يرجي من الحياه بسبب تعيلم القروي. هذه التعليم القروي تفاوت تماما مع نظره مدنيه في صادق هدايت.
دولت آبادي اراد توصيف حيات بيرونيه من بطولات كتاباته و لم اتوجه الي دورنياتهم. بادر الي الذهن هذه الاشخاص لا لهم درون و خلوت شخصي.
قصص دولت آبادي يدور حول محور قريه و المدينه. هو يقول: في اعمالي من بدايه موجود فرعان. فرع او تيار اغلب موضوعاته من قريه و فرع مربوط الي مدينه و حيات فيها. فروع الصحراوي ارتبط الي فرع الاول و قصه سياحه الي فرع الثاني.
بعد الكتابه آخر اليل، دولت آبادي كتب فاجعه، بعد ذلك قصص حصار، امام ضريح الام، هاجر سليمان، اشباح التعبان و صحراوي في مجموعه فروع صحراوي نشر في سنه 1347.
قصص بعد ذلك مثل هاجر سليمان و الاشباح التعبان، من حيث الاسلوب يتفاوت مع كل آلاثار دولت آبادي نشر قبل ذلك. في هذه القصه دخالت الكاتب قصير و حوار و العمل القصوي، يكتب الحدث.... المتبقي

اريد ان اکتب بالعربی

انا اريد ان اکتب فی هذه البلاغ کل ما لديی من المعلومات من الادب الفارسی و جميع الکتاب و الادباء الايرانيين. اتمنی غض العين من کل العيوب انا فی هذه الصدد لان انا مره الاولی اکتب باللغه العربيه و ارجی ان اکتب بسلامه. شکرا جزيلا